متى يستوي الضدّان ؟

0

متى يستوي الضدّان ؟

بقلم.. عمران صبره الجازوي

إنَّ تسميةَ الدنيا بهذا الإسم ؛ لم يكن إلا لضآلتها وحقارتها ، وهوانها عند الله ، وما كانت لتساوي عنده – عزَّ وجلَّ – جناحَ بعوضةٍ ، يقولُ الرسولُ – ﷺ – : ” لو كانت الدنيا تعدلُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافراً منها شربةَ ماءٍ ” رواه الترمذي في صحيحه .

هذه حقيقتها ومخبرها ، أما منظرها فيوحي بخلافِ ذلك ، فهو كما وصفه النبي – ﷺ – : ” إنَّ الدنيا حلوةٌ خَضِرةٌ ، وإنَّ اللهَ مستخلفكم فيها فينظرُ كيف تعملون ” رواه مسلمٌ في صحيحه . فهي حلوةٌ في المذاقِ ، خَضِرةٌ في المرأى ، يغّترُ بها الإنسانُ ، وينهمكُ فيها ، ويجعلها أكبرَ همّه ، مُخلّفاً وراءه التحذيرَ الإلهي المُشارَ إليه بقوله تعالى : فلا تغرّنكم الحياةُ الدنيا ولا يغرّنكم باللهِ الغَرورُ ،سورة فاطر آية-5 ظاهرها الرحمةُ ، وباطنها العذابُ ، فهي دارُ البلاءِ والاختبارِ جمعتْ في طيّاتها الأضداد والمتناقضات الحبَّ والبغضَ ، الفرحَ والحزنَ ، السعادةَ والشقاءَ ، الراحةَ والتعبَ ، اللقاءَ والفراقَ ، الوصلَ والقطيعةَ ، القلقَ والطمأنينةَ ، … إلخ  ، واشتملتْ على المُكدّراتِ والمنغّصاتِ ، ومن سوّى بين متناقضاتها ليسَ بأعدلَ ممن سوّى بين الملحِ الأجاجِ والعذبِ الفراتِ ” وما يستوي البحرانِ هذا عذبٌ فراتٌ سائغٌ شرابه وهذا ملحٌ أجاجٌ ” سورة فاطر آية- 11 ، فعدمُ التسويةِ بين الضدينِ هو الطبيعي ، فبينَ الضدّينِ كما بينَ المشرقِ والمغربِ ، وهذا أمرٌ لا يختلفُ عليه اثنان ، ولا ينتطحُ فيه عنزان ، ولكن أحياناً تنتكسُ الفطرةُ ، وتنقلبُ الموازينُ ، ويستوي عند صاحبها الضدّان ، وذلك راجعٌ لأمورٍ – عندي – من أهمها ما يلي :

1- اختلالُ العقلِ – عافانا اللهُ وإياكم – الذي هو أداةُ التمييزِ ، وبدونه لا يميّزُ صاحبه بينَ الجمرِ والتمرِ ، أو بينَ النفعِ والضرِّ .

2- أن تكونَ الدنيا قد هانت في عينِ صاحبها ، وأصبحَ إقبالها وإدبارها سيّانِ ، وكثرتها وقلّتها صنوان .

3- أن تكونَ الدنيا قد أدبرتْ وآذنتْ بوداعٍ – كما قالَ الإمامُ عليُّ – رضي اللهُ عنه – ، وأنَّ الآخرةَ قد أقبلتْ ، وأشرفتْ باطَّلاعٍ …” نهجُ البلاغةِ ج/2 ص 179 ، وعندئذٍ تستوي عنده الحياةُ والموتُ ، والأخذُ والفوْتُ .

4- كثرةُ مخالطةِ الناسِ ، واشتدادُ أذاهم ، ونفاذُ قوةِ التحمّلِ ، وساعتئذٍ يرى الكبيرَ صغيراً ، والعظيمَ حقيراً ، ولا يقيمُ لأحدٍ – كائناً من كانَ – وزناً ، ويصبحُ المدحُ والذمُّ في حقه سواءً ، ويتعاملُ مع الناسِ – كلِّ الناسِ – بلا اعتناء .

فاللهم اجعلنا من عبادك الأسوياءِ الذين يفرّقونَ بين الحقِّ والباطلِ ، ويضعون الأمورَ في نصابها ، ويتخذون من دنياهم جسراً للوصول إلى آخرتهم ، مكتفينَ منها بما يوصلّهم إليك ، متجنّبينَ ما يجعلهم مستحينَ من الوقوفِ بين يديكَ ، إنكَ وليُّ ذلك والقادرُ عليه .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.