الصحابي الجليل سعيد بن العاص ” الجزء الخامس “

0

الصحابي الجليل سعيد بن العاص ” الجزء الخامس “

إعداد: محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الخامس مع الصحابى الجليل سعيد بن سعيد بن العاص، وقد توقفنا عندما كتب أبى موسى الأشعرى إلى عثمان بن عفان رضى الله عنهما بما صنع فأعجب ذلك عثمان بن عفان وسره فقال عتبه بن الوغل التعلبى، وهو شاعر أهل الكوفة، تصدّق علينا إبن عفان واحتسب وأمر علينا الأشعرى لياليا فقال عثمان نعم وشهورا وسنين إن بقيت، وكان الذي صنع أهل الكوفة بسعيد بن العاص أول وهن دخل على عثمان حين اجترىء عليه، ولم يزل أبو موسى واليا لعثمان على الكوفة حتى قتل عثمان، ولم يزل سعيد بن العاص حين رجع عن الكوفة بالمدينة حتى وثب الناس بعثمان فحصروه، فلم يزل سعيد معه في الدار يلزمه فيمن يلزمه لم يفارقه ويقاتل دونه، وعن عبد الله بن ساعدة قال، جاء سعيد بن العاص إلى عثمان بن عفان فقال يا أمير المؤمنين، إلى متى تُمسك بأيدينا؟ قد أكلنا أكلا هؤلاء القوم، منهم من قد رمانا بالنبل.

ومنهم من قد رمانا بالحجارة ومنهم شاهر سيفَه، فمُرنا بأمرك، فقال عثمان رضى الله عنه، إني والله ما أريد قتالهم ولو أردت قتالهم لرجوت أن أمتنع منهم ولكني أكلهم إلى الله وأكل من ألبهم على إلى الله، فإنا سنجتمع عند ربنا، فأما قتال، فوالله ماآمرك بقتال، فقال سعيد والله لا أَسأل عنك أحدا أبدا، فخرج فقاتل وقال من رأى سعيد بن العاص يومئذ يقاتل فضربه رجل يومئذ ضربة مأمومةً فلقد رأيته وإنه ليسمع الرعد فيُغشى عليه، وقالوا، فلما خرج طلحة، والزبير، والسيدة عائشة من مكة المكرمة يريدون البصرة فقد خرج معهم سعيد ابن العاص، ومروان بن الحكَم، وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، والمغيرة بن شعبة، فلما نزلوا مر الظهران، ويقال ذات عرق، قام سعيد بن العاص فحمد الله وأثْنى عليه ثم قال، أما بعد فإن عثمان عاش في الدنيا حميدا وخرج منها فقيدا وتوفي سعيدا شهيدا فضاعف الله حسناته.

وحط سيئاته ورفع درجاته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وقد زعمتم أيها الناس أنكم إنما تخرجون تطلبون بدم عثمان، فإن كنتم ذلك تريدون، فإن قَتلَة عثمان، على صدور هذه المطي وأعجازها فميلوا عليهم بأسيافكم، وإلا فانصرفوا إلى منازلكم ولا تقتلوا في رضى المخلوقين أنفسكم، ولا يغني الناس عنكم يوم القيامة شيئا، فقال مروان بن الحكم، لا بل نضرب بعضهم ببعض فمن قتل كان الظفر فيه ويبقى الباقي فنطلبه وهو واهن ضعيف، وقام المغيرة بن شعبة فحمد الله وأثنى عليه وقال، إن الرأي ما رأى سعيد بن العاص، من كان من هوازن فأحب أن يتبعني فليفعل، فتبعه منهم أناس وخرج حتى نزل الطائف فلم يزل بها حتى مضى الجمل وصفين، ورجع سعيد بن العاص بمن اتبعه حتى نزل مكة فلم يزل بها حتى مضى الجمل وصفين ومضى طلحة والزبير والسيدة عائشة.

ومعهم عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ومروان بن الحكم ومن اتبعهم من قريش وغيرهم إلى البصرة فشهدوا وقعة الجمل، ولما اجتمع الناس على معاوية، واستوثق له الأمر ولاه المدينة، ثم عزله وولاه مروان، وكان يعاقب بينه وبين مروان بن الحكم في أَعمال المدينة، وقال أبو عبيدة،‏ وانتقضت أَذربيجان، فغزاها سعيد بن العاص، فافتتحها، ثم عزله عثمان وولى الوليد بن عقبة، فمكث مدة، فشكاه أهل الكوفة فعزله ورده سعيد، فرده أهل الكوفة، وكتبوا إلى عثمان،‏ ‏لا حاجة لنا في سعيدك ولا وليدك، وقال‏ لما عزل سعيد بن العاص عن المدينة انصرف عن المسجد، فرأَى رجلا يتبعه فقال له‏ سعيد أَلك حاجة؟ قال‏ لا ولكني رأيتك وحدك فوصلت جناحك‏، فقال له‏ وصلك الله يا بن أَخي، اطلب لي دواة وجلدا، وادعُ لي مولاي فلانا، فأتى بذلك، فكتب له بعشرين أَلف درهم دينا عليه، وقال له‏ إِذا جاءت غلتنا دفعنا ذلك إِليك.

فمات في تلك السنة، فأَتى بالكتاب إِلى ابنه، فدفع إِليه عشرين ألف درهم، وابنه ذلك عمرو بن سعيد الأشدق‏، ولما تولي معاوية بن أبى سفيان الخلافة، ولى مروان بن الحكم المدينة ثم عزله، ثم ولاها سعيد بن العاص ثم عزله، ثم ولاها مروان بن الحكم ثم عزله عنها، ثم ولاها سعيد بن العاص فمات الحسن بن علي بن أبي طالب في ولايته تلك سنة خمسين بالمدينة فصلى عليه سعيد بن العاص، وقال الزبير بن بكار، أنه مات سعيد في قَصره بالعقيق سنة ثلاث وخمسين من الهجرة النبوية الشريفة، ولما حضرته الوفاة قال لبنيه أَيكم يقبل وصيتي؟ قال ابنه الأَكبر أَنا يا أَبى، قال إِن فيها وفاء ديني، قال وما دينك؟ قال ثمانون أَلف دينار، قال وفيم أَخذتها؟ قال يا بني في كريم سددت خلته، وفي رجل جاءني ودمه ينزوي في وجهه من الحياءِ، فبدأته بحاجته قبل أَن يسألنيها، وتوفى سعيد بن العاص هذا في خلافة معاوية بن أبى سفيان سنة تسع وخمسين من الهجرة النبوية الشريفة.

وهكذا فإن للصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين في قلوب المسلمين مكانة سامية، لا يفوقها إلا مكانة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وما ذلك إلا لما بذلوه من أجل نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ونشر الدين، وما قدَّموه من تضحيات جسيمة بالمال والوقت والنفس لأجل رفعة راية الإسلام، وقد جعل الله سبحانه وتعالى للصحابة مكانة كبيرة بين البشر، ولهذا يُجل المسلمون الصحابة إجلالا كبيرا، ولا يقبلون أن يتطاول أحد عليهم ولو بلفظ، ولا يعني هذا أن الصحابة معصومون من الخطأ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديثه الشريف ” كل بنى آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون ” ولكن مكانة الصحابة تقتضي ألا يتجاوز أحد من المسلمين في حقهم، وإلا كان ذلك علامة على نقص الدين في نفسه، ولذا قال الإمام مالك رحمه الله واصفا حال مبغضي الصحابة، ومبينا معتقدهم، إنما هؤلاء أقوام.

قد أرادوا القدح في النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه حتى يقال رجل سوء، ولو كان رجلا صالحا لكان أصحابه صالحين، وذلك أنه ما كان منهم رجل إلا ينصر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وماله، ويعينه على إظهار دين الله، وإعلاء كلمته، وتبليغ رسالاته وقت الحاجة، وهو حينئذ لم يستقر أمره ولم تنتشر دعوته، ومعلوم أن رجلا لو عمل به بعض الناس نحو هذا، ثم آذاه أحد لغضب له صاحبه، واحتسب ذلك أذى له أي للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه هى فترة الفتنة الكبرى التي بدأت بعد ست سنوات من خلافة عثمان بن عفان، واستمرت فترة حكم علي بن أبى طالب، بشكل محايد منصف واجبة لكي نذب الأذى عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تمالأ عليهم المنافقون وأصحاب الأهواء ليطعنوا فيهم مستغلين ما وقع من أحداث، فتظاهروا بالدفاع عن طرف، والهجوم على طرف آخر، ليتوصلوا إلى غرضهم الخبيث بالإساءة للطرفين، ومن ورائهم رسولهم ونبيهم الذي جاءهم بالحق من عند الله عز وجل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.