الصداقة

0

بقلم : حسام الجندى 

الصَّداقة حالة أخوَّة خاصَّة، كما جاء في الأثر: “ربَّ أخٍ لك لم تلده أمُّك”، نجد فيها ما لا يوجد في أية علاقة أخرى، لا علاقة أبوَّة، أو بنوَّة، أو علاقة زوجية، أو علاقة أخرى، لذلك لا يكون المرء على رأي أو دين والده، أو أخيه، أو زوجته، أو ابنه، ولكن كما قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم:” المرء على دين خليله”. وحتى في أشدِّ اللَّحظات على النَّفس نتذكَّر الصَّديق وليس القريب، نتكلَّم عند الصَّديق بسوء في أقاربنا، ولكن لا نتكلَّم عند أقاربنا بسوء في صديقنا، لأنَّنا نتوقَّع منه الوفاء الذي لا نتوقعه من غيره، لذا تمتاز الصداقة عن بقية العلاقات باليقين.

تعيش الصَّداقة حيث يعجز الحبُّ، فالصَّداقة حسَّاسة جدًّا لكنها ليست هشَّة، ورهافة المودة يمسكها وفاء الشُّعور، فالحبُّ اشتقَّ من المحبَّة لكن الصَّداقة اشتقَّت من الصِّدق، فهي تتغذَّى عليه، والصِّدق أرضية الثِّقة، وثمرة الصِّدق والثِّقة هي: الوفاء. ولهذا عظَّمت هذه الآية: “فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ” منزلة الصَّديق، حيث إنَّ الإنسان في أصعب موقف يمرُّ به يستغيث بالصَّديق قبل القريب، ورغم أنَّ الآية بيَّنت أنَّ جميع أنواع الصَّداقات تنقطع في الآخرة إلَّا صداقة التَّقوى: “الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ” إلَّا أنَّها أخبرتنا عن حقيقتها كشعور إنساني خاصٍّ يستدعى في موقف ألم وحسرة لا نظير له.

هذا لأنَّك في الصَّداقة أنت مع نفسك، أنت كما أنت بدون شروط الدَّور، دور: الأب أو الابن أو الزوج، أو …إلخ، ولا يمكنك أن تكون أنت إلَّا إذا كنت صادقاً إلى النِّهاية، ولا يمكنك أن تكون صادقا في كلِّ شيء إلَّا مع الصَّديق، فإن أمسكت شيئًا دونه فليست صداقة. تصمد صداقتك لغيرك عند نزاهة أن تكون أنت، وأن تكون أنت هو أن تُلبي الحاجة الضَّرورية لأن تكون إنسانا على الفطرة، والاستجابة لهذه الضَّرورة لا تعني مسؤوليَّة الفعل فقط، ولكن كذلك المسؤوليَّة عن المسؤوليَّة نفسها.

قليل من النَّاس من يقدر على صداقة حقيقيَّة، لأنَّ المصالح والأهواء، حتى التي تلبس ثوب الدِّين تأتي ضدَّها فتحطِّم روابطها، ومن النادر جدًّا أن تعود صداقة انقطعت إلى سابق عهدها

وليس هذا من التَّضاد، ولكنه عدم تمييز بين هيكل وأثر. ولهذا لم تكن الحرِّيَّة عند هذا المستوى من الإدراك للذَّات قطيعةً مع المسؤوليَّة ولكنها مسافة منها فقط. وتمييز الذَّات هو تمييز حقيقة الذَّات” الهيكل” عن نتاجها الذاتي” الفعل”، كمن يكتب سيرته الذَّاتية، تحكي سيرته كيف أصبح الذَّات التي هو عليها الآن، توجد الذَّات نفسها، التي لا تكون هي فقط عندما لا تكون أيَّة ذات. يعني: عند تمييز الذَّات عما كان يمكن أن تصير إليه.

تختلف صداقات النَّاس ووعيهم بمسؤوليَّة الصَّداقة باختلاف الطَّريقة التي يتكفل بها كل ُّواحد بالمسؤوليَّة الأصلية، مسؤوليَّة الذَّات، بين الجد واللامبالاة، بين العادة والوعي، بين قيمة الشَّرف في ذاته والشَّرف حسب المصلحة. في الصَّداقة تكون متحرِّراً من كلِّ القيود التي تلزمك كأب أو ابن أو زوج أو أخ أو شريك الَّا قيد المروءة، وهو القيد الذي يجعل أكثر الصَّداقات تخبو شعلتها فتتحوَّل مع الوقت الى مجرَّد معرفة.

تكتمل الصَّداقة عندما توصل أحد الصَّديقين الى القبر، تدفنه أو يدفنك؛ هنا فقط يمكن أن تقول: عشنا صديقين هذا صديقي. هذه صداقة حقيقية تلك التي توصلك إلى القبر، رغم أنَّها قد تنقطع في الآخرة، فلا يبقى بعد الموت إلَّا صداقة التَّقوى، وهي الصَّداقة الوحيدة التي لا تخشى الانقطاع في الدُّنيا ولا في الآخرة، لكنَّها صادقة نادرة ولطيفة لدرجة تجعل كثيراً من أهل الدِّين يظنُّون أنَّهم أصدقاء في الله، لأنَّهم أهل دين…!

ينسون السَّبب الذي جمع بينهم، ويعتقدون أنَّ الانتماء الى جماعة أو مذهب أو رؤية مشتركة شيئًا في ذات الله وليس كذلك: “وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ” ولهذا نجد الأصدقاء من هذا النَّوع يتحوَّلون إلى أعداء لأنَّه لم يختر صديقه مُعينا له على الآخرة، وحتى لما يعينه على الدُّنيا فلكي لا تضر آخرته، ولكن للمجانسة والمشاكلة بينهما فقط، في حين نجد أعظم صور الصَّداقة تلك التي جمعت بين مختلفين في المذهب، مختلفين في الطَّبقة الاجتماعيَّة، مختلفين في المستوى الثقافي …الخ.

ولهذا قليل من النَّاس من يقدر على صداقة حقيقيَّة، لأنَّ المصالح والأهواء، حتى التي تلبس ثوب الدِّين تأتي ضدَّها فتحطِّم روابطها، ومن النادر جدًّا أن تعود صداقة انقطعت إلى سابق عهدها. أكثر الصداقات لا تمتدُّ في الزَّمن إلَّا إذا لم تنقطع الموائد…! لا يمكنك أن تكون صديقا حقيقيًّا لأنَّك لست نزيهاً مع ذاتك وهذا كلُّ ما في الأمر. الصَّداقة ليست علما يتعلَّق بملموس ممَّا يظهر لنا ويقبل الملاحظة، الصَّداقة صفاء مع الذَّات يتمثل في نيَّة صالحة وإخلاص يتجاوز الظَّواهر، لذا تقوم على المروءة، وليست إلَّا شرف التماس العذر لضعف الإنسان، بدون انتظار عوض عنها. في الغالب الذي يقطع الصداقة أوَّلا يكون هو المخطئ خاصة في زمن يجتمع فيه الناس ويفترقون على “جناح تبن”…!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.