الحرية بين مطرقة الفقد وتكريس المساواة

0

الحرية بين مطرقة الفقد وتكريس المساواة

بقلم: سفيان حكوم آعلامي

ربما سولت أنفس بعض منا ، أن الحرية وصلت الى درجة ، أنها صارت من المواضيع الهامشية ، التي أشبعت بحثا وقتلت تحليلا ، فقد باشر الحديث عنها في كل الأزمنة ، جم من أعمدة الفكر والسياسة والآصلاح والتربية ، ولم نجن وراء الكلام عنها ، أي نتيجة ترجى ، وهذه حصيلة خارجة عن الصواب ، لأن أية قضية من قضايا المجتمع ، المرتبطة بحقوقه وحضارته ، هي راسخة في كيان العوام ، متأصلة في وعيه وذاكرته ، متجذرة في ثقافته وفكره ، يتطلب ان يتجدد البحث فيها على الدوام ، خاصة اذا كانت العوامل حية ، تخدش أحاسيس هؤلاء العوام ، فهاهي أمتنا العربية والآسلامية حاليا ، تتلقى الضربات من كل الجوانب ، ومن أبشع الهجمات في التاريخ ، لم تعرف الآنسانية مثلها قط ، بجميع مستوياتها وأبعادها المقيتة ، سياسيا ، فكريا ، عسكريا ، ديبلوماسيا ، اعلاميا ، اقتصاديا ، من اجل السيطرة وفرض الهيمنة عليها ، والاستحواذ على خيراتها وثرواتها ، والقضاء على شخصيتها ومعالم حضارتها ، وحجر نموها وتقدمها وتحررها ، من قبضة أخطبوط التبعية والوصايا المفروضة عليها .

إن مبدأ الحرية ركيزة آسلامية اساسية ، فبدون حرية لن يسمو للدين في النفوس نهضة ، ولن تزدهر وترقى أمة ، لأن الحرية مسؤولية ، ونعني بها تقديس الحياة ، وتقديس الحق في الوجود ، فمن ضاعت منه حريته ، فكأنما ضاعت منه روحه ، وان عاش فهو كالجماد لايسمن ولايغني من جوع ، ولا فائدة تأتي منه من شدة الضيق ، على حقوقه وواجباته الطبيعية ، لأن في الواقع أن حياتي وحياتك ، لاتزيد كونها حزمة من الامكانيات ، التي تفتقر الى التحقق ، حتى تستحيل الى أفعال أو وقائع ، وليس وجودي أو وجودك ، سوى هذا السعي الدائم ، الذي يضطلع به كل منا في سبيل العمل ، على تحقيق ذاته ، عن طريق تحويل ” الإمكان ” الى ” واقع ” ، وقد تختلف الامكانيات الموجودة بين أيدينا ، ولكن أحد منا ، لايمكن أن يكون مفتقرا تماما الى كل امكانية ، وإلا لما كان أمامه ” فعل ” يحققه أو ” حياة ” يعيشها ، ولكن الذي لاشك فيه ، أن الحياة لابد ان تتخذ باستمرار طابع التوتر بين ” ماهو كائن ” و ” ماينبغي ان يكون ” ، وليس هذا ” التوتر ” سوى تعبير عن ذلك ” البون النفسي ” ، الذي يفصل ” امكانيات ” الانسان عن ” عالم الواقع ” ، فأنت لاتستطيع ان تعيش ، دون ان تعبئ كل طاقاتك الجسمية والنفسية ، لتحقيق امكانياتك الضمنية ، التي مازالت تلتمس الخروج الى عالم النور ، والانسان حين يسير على طريق الحياة ، ويحس في كثير من الاحيان بأنه ” محصور ” ، بين ضغط الماضي وجذاب المستقبل ، فهو لايملك سوى مواصلة السير في حاضره المستمر ، الذي لا يخرج عن كونه توترا بين ” ماقد كان ” و ” وما سوف يكون ” .

ومن المسببات الرئيسية أيضا ، التي ساعدت على التدهور والضعف ، الذي حل بأمتنا ، هو الحصار المضروب على امكانياتنا ، الجسمية والنفسية ، أو لنقول ” فقدان الحرية ” ، وتحول الانسان الى كائن مهزوز ومضطهد ، لأن الحرية تعني أن يكون الآنسان ، مختارا في ممارساته وأنشطته لايتربصه مانع ، ومن فروعها تكريس المساواة والحقوق على الفئات المجتمعية ، ومحاسبة المعتدي بآعتبار أنهم وكلاء ، وعدم البطش في المطالبة ، وبذل النصيحة والارشاد ، وحرية المواطنة ، والخطابة ، وحرية الكلمة ، والمطبوعات ، وحرية التعليم في مناهجه ، وحريات الأطروحات العلمية ، والمباحثات ، وحرية الفرد ، والعدالة ، حتى لايخشى آنسان من غاصب ، او متسلط ، والأمن على الدين والأرواح ، والأمن على الشرف والأغراض ، والأمن على العلم والفنون ، والآبداعات الفكرية والثقافية .

والحرية في هذا المشروع الآصلاحي ، هي جوهر الدين وروحه ، وهي أغلى شي يملكه الآنسان بعد نفسه ، بفقدانها تحتضر النفوس وتشقى ، وتتعطل الشرائع ، وتعم الفوضى القوانين ، فيصير الآحباط والآندحار ، لمن آعتادوا على الظلم ، مما يجعل الحقائق تعوج ، وتتصادم مع المنطق ، وتختل الموازين ، وتسقط البديهيات ، وتنكسر قوائم الأخلاق والسلوك السوي ، وتختنق الأحاسيس والأفكار ، وتنعدم الفائدة والمسؤولية .

ولكن بهذا لانشير ، الى مفهوم الحرية ، على أنها هي ” الآباحة ” ، لأن الآباحة غير الحق ، لآختلاف المرجعيات ، التي تترتب على كل منهما ، وعلى هذا يكون موقع الآباحة من الحق ، انها تلك الأحكام التي تنسجم ، مع ضوابط الشرع لصاحب الحق لعلة الآختصاص ، السائدة بين صاحب الحق وموضوع حقه ، فالآباحة بهذا الفهم ، لاتعدو أن تكون منفذا الى الحق ، لذا الآباحة يجب أن تتوافق مع الشرع ، مكنة الآنتفاع ، لا على وجه الآختصاص تحقيقا ، لغاية معينة ، أو مصلحة خاصة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.