بِمَ آذنَ موته  ﷺ

0

بِمَ آذنَ موته  ﷺ

بقلم ..د عمران صبره الجازوي

إنَّ موتَ رسولِ اللهِ  ﷺ ليسَ كموتِ أحدٍ من البشرِ ، وإذا كانَ موتُ العالمِ من أمته ثُلْمَةً  أي خسارةً لا تُعوّضُ ، أو فراغاً لا يُملأ في الإسلامِ لا تُسدُّ ، فكيف بموتِ نبيهم  ﷺ  ومورثهم ؟.

لذا لم يمرُّ يومٌ على البشريةِ أسوأَ من يومِ موته  ﷺ  ، وهذا ما عبّرَ عنه أنسُ بنُ مالكٍ ، رضي اللهُ عنه  بقوله :” ما رأيتُ يوماً قطُّ كانَ أحسنَ ، ولا أضوأَ من يومٍ دخلَ علينا فيه رسولُ اللهِ ، وما رأيتُ يوماً كانَ أقبحَ ، ولا أظلمَ من يومٍ ماتَ فيه رسولُ اللهِ ” رواه أحمدُ والدارمي .

حقاً لقد كانَ موته  ﷺ  نقطةَ تحوّلٍ في تاريخِ البشريةِ إذ رحلَ حاديها وقائدها والمُكلَّفُ بردِّ شاردها وآبقها إلى الحظيرةِ الإلهيةِ ، وكانَ موته  ﷺ  إيذاناً أي إعلاماً بما يلي :

1- انقطاعِ الوحي ، إذ كانَ  ﷺ  آخرَ أُذنٍ استقبلتْ وحي السماءِ في الأرضِ . قالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ لِعُمَرَ: انْطَلِقْ بنَا إلى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا، كما كانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إلَيْهَا بَكَتْ، فَقالَا لَهَا: ما يُبْكِيكِ؟ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ؟
فَقالَتْ: ما أَبْكِي أَنْ لا أَكُونَ أَعْلَمُ أنَّ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَلَكِنْ أَبْكِي أنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُما علَى البُكَاءِ. فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ معهَا ” رواه مسلمٌ .

2- اكتمالِ الدينِ ، وثبوتِ التشريعِ ، وتوقفِ النسخِ ، إذ لم يلتحقْ – ﷺ – بالرفيقِ الأعلى إلا بعدَ أن أكملَ اللهُ على يديهِ الدينَ ، وأتمَّ به النعمةَ . قال تعالى : !! اليومَ أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلامَ ديناً !! سورة المائدة آية -3 ، وعليه فديننا كاملٌ ، وكلُّ ما أُحدثَ فيه بعد موته – ﷺ – بدعةٌ لا أصلَ لها ، فعلينا الاتّباعُ لا الابتداعُ . قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ – رضي اللهُ عنه – : ” اتّبعوا ولا تبتدعوا فقدْ كُفيتم ” رواه الدارمي في سننه .

3- خبوتِ جذوةِ الإيمانِ في نفوسِ معتنقيه ، وبرودِ حرارته في قلوبهم ؛ لذا كانتْ الأمةُ في حاجةٍ مستمرةٍ إلى من يجدّدُ لها أمرَ دينها ، فكانَ التفضّلُ الإلهيُّ المُشارُ إليه بقوله – ﷺ – :” إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا ” رواه أبو داود .
ومعنى التجديد : إحياءُ ما اندرس من العملِ بالكتابِ والسنةِ ، والأمرِ بمقتضاهما, فالمجدّدُ يبيّنُ السنةَ من البدعةِ , ويكثرُ العلمَ , وينصرُ أهله, ويكسرُ أهلَ البدعةِ ويذلهّم .

4- ذهابِ أحدِ الأمانينِ اللذينِ يحميانِ الأمةِ من الوقوعِ في الفتنِ والشرورِ ، والتعرّضِ لسخطِ الله ، وهذا ما عبّرَ عنه عمرُ بنُ الخطابِ رضي اللهُ عنه  بقوله :” كان فيكم أمانانِ، مَضَتْ إحداهما، وبَقيَتِ الأُخرى، !!وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ!!الأنفال آية- 33 رواه الحاكمُ في مستدركه .

5- عدمِ خلودِ أحدٍ – كائناً من كانَ – في هذه الدنيا ، فلمْ يُجعلْ الخلودُ لبشرٍ ، ولا البقاءُ لمخلوقٍ ، بل كتبَ اللهُ لذاته العليّةِ البقاءَ ، وكتبَ على سائرِ الخلقِ الموتَ والفناءَ . قالَ تعالى :!!وما جعلنا لبشرٍ من قبلكَ الخلدَ أفإنْ متَّ فهم الخالدون !! سورة الأنبياء آية 34.

6- رحمةِ هذه الأمةِ المُصطفاةِ ، إذ كان موته إيذاناً برحمتها ، وقد أشارَ إلى ذلك بقوله ﷺ  :” إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ إذا أرادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِن عِبادِهِ، قَبَضَ نَبِيَّها قَبْلَها، فَجَعَلَهُ لها فَرَطًا وسَلَفًا  أي سابقاً ومُقدّماً وشفيعاً – بيْنَ يَدَيْها، وإذا أرادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ، عَذَّبَها ونَبِيُّها حَيٌّ، فأهْلَكَها وهو يَنْظُرُ، فأقَرَّ عَيْنَهُ بهَلَكَتِها حِينَ كَذَّبُوهُ وعَصَوْا أمْرَهُ ” رواه مسلمٌ .

هذه هي بعضُ الأمورِ التي آذنَ  أي أعلمَ  بها موته ﷺ وبأبي هو وأمي وأهلي وولدي والناسِ أجمعين إذ كانَ رحمةً في حياته ، ورحمةً بعدَ مماته ، فاللهم جازه عنا خيرَ ما جازيتَ نبيّاً عن أمته ، ورسولاً عن دعوته ، واسقنا من يديه الشريفةِ شربةً لا نظمأُ بعدها أبداً برحمتكَ يا أرحمَ الراحمينَ .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.