الزواج ومقاصده العظيمة

0

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

أن الله تعالى خلقنا لعبادته وتوحيده، وقد أباح لنا كل ما يتوافق مع هذا الاستخلاف من النعم الظاهرة والباطنة، ومن هذه النعم التي امتن الله بها علينا والتي تحقق الاستخلاف في الأرض، وتحقق بقاء وانتشار النوع الإنساني في هذه الحياة هى نعمة النكاح، ويأمر الله سبحانه وتعالى الأولياء والأسياد، بإنكاح من تحت ولايتهم من الأيامى وهم من لا أزواج لهم، من رجال، ونساء ثيب، وأبكار، فيجب على القريب وولي اليتيم، أن يزوج من يحتاج للزواج، ممن تجب نفقته عليه، وإذا كانوا مأمورين بإنكاح من تحت أيديهم، كان أمرهم بالنكاح بأنفسهم من باب أولى، فبالزواج تحصل المودة والرحمة والسكن ويحصل الاستمتاع فلا تجد بين أحد من الناس في الغالب مثل ما بين الزوجين من المودة والمحبة والرحمة، وهذه تحتاج منا إلى شكر هذه النعمة ولما في الزواج من مقاصد عظيمة وفوائد جليلة وحكم بالغة فقد حث النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم على الزواج، فبالنكاح يلتئم الشعث وتسكن النفس ويستريح الضمير من تعب التفكير وتحصل الذرية وتنشأ الأسرة ويتكون المنزل، و يأمن فتنة البصر والفرج وهي في زمننا هذا أشد خطورة على الشباب والفتيات وهذه الفوائد من النكاح تحصل للشباب وللفتيات على حد سواء.

ولذلك لا ينبغي للأب أن يؤخر زواج ابنته إن تقدم لها من يرضى في دينه وخلقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير” ومن هنا كان لزاما على من ولاه الله أمر زواج الفتيات أن يحرص على زواجهن ولا يمنع ذلك خاصة وإن الفتاة المسكينة يمنعها الحياء أن تصرح بذلك خصوصا إذا ابتليت بأب لا يقدر للأمور أقدرها ولا يقيم لمثل هذه الأمور وزنا فتدفن البنت حسرتها ولوعتها في صدرها، وإن من تمام السعادة في الدنيا أن يوفق المرء لزوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليه سرته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله، وهذا لا يمكن أن يكون إلا في ذات الدين، فلا يجوز للولي إجبار موليته على الزواج بمن لا ترضاه لما يترتب على ذلك من المفاسد، خصوصا وأن بعضهم يجبرها لمصلحة نفسه، وإذا كان لا يجوز له شرعا أن يجبرها على بيع أقل شيء من مالها بغير رضاها فكيف يحل له أن يجبرها على بذل نفسها وعرضها لمن لا ترضاه ولا تريده، ولكن لو أن الفتاة رغبت بالزواج من شخص لا يرضى دينه فيجب على الولي أن يمنعها، وهذا من مقتضيات الولاية، وإن من الشروط هو أن يحضر العقد رجلان مقبولان في الشهادة.

لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا نكاح إلا بولي وشاهدين، وشاهدي عدلكما ” صححه بعض أهل العلم، وإن من الشروط أيضا هو تعيين الولي للزوجة باسمها، أو وصفها الذي تتميز به، فلو قال زوجتك ابنتي لا يصح إلا أن يكون ليس له بنت سواها، فلا بد من تعيينها عند العقد حتى يصح العقد، ويجوز العقد على امرأة ولو كانت حائضا، أو صائمة، أو غائبة عن البلد إذا علم رضاها، وإن في النكاح من الفوائد ما لا يحصى، فمن ذلك تحقيق مباهاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأمته يوم القيامة لقوله صلى الله عليه وسلم ” فإني مكاثر بكم الأمم ” ومن فوائده هو تكوين الأسر، وتقريب الناس بعضهم لبعض، فإن الصهر شقيق النسب، ألم تر أن الله تعالى قال فى كتابه الكريم فى سورة الفرقان ” وهو الذى خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ” فالعلاقة بين الناس إما أن تكون نسبية، أو صهرية، وهذا من محاسن دين الإسلام، أن يقرب بين عوائل المجتمع وأسره، ومن فوائد النكاح أيضا هو حصول الأجر والثواب أولا بإعفاف النفس، وأجر آخر بإعفاف المرأة، وثالثا بالإنفاق عليها، ورابعا بالقيام بحقوقها، وخامسا بابتغاء الولد، وسادسا وهو أجر تربيته.

والولد الصالح يدعو لك، وهكذا كلما زادت النية زاد الأجر، والأجر على قدر النية والعمل، وهو سبب للغنى وكثرة الرزق، وليس كما يتوهم الماديون ضعاف التوكل، حيث قال تعالى فى كتابه الكريم فى سورة النور ” وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم ” فلا صحة لما يقوله هؤلاء اليوم إن الزواج مسؤوليات مادية مرهقة لا طاقة للناس للقيام بها، لكن متى يكون الزواج ميسرا يأتي بالمال؟ إذا كان كما أمر الله وشرع، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ثلاثة حق على الله عونهم، وذكر منهم الناكح الذي يريد العفاف، فإذا أراد العبد العفاف، وأراد وجه الله تعالى، سهل الله له الطرق، ولو كان فقيرا، فساعده الناس، فقدم له هذا هدية، وراعاه هذا في المهر، وأعانه هذا بشيء من تكاليف الزواج، وتنازل له هذا عن شيء من الديون، وهكذا وهكذا، قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه “أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح، ينجز لكم ما وعدكم من الغنى” ويتبين مما سبق أن ظاهرة عزوف كثير من الشباب اليوم ذكورا وإناثا عن الزواج بحجة إكمال الدراسة مثلا، أن حجتهم داحضة عند ربهم، فإنه إذا خشي على نفسه الوقوع في الحرام.

أو وقع فيه فعلا فلا مناص له من إعفاف نفسه، وهذا الزواج يسبب من الراحة النفسية، وتفرغ الفكر، واطمئنان القلب، ما يعين على أمور الدنيا، وماذا ينفع المرأة مثلا إذا أكملت دراستها التي ليست بحاجة إليها وفاتتها سعادة النكاح، ولذة الأولاد، فلا تذكر بعد موتها، وهذا لا يعني عدم إعداد العدة للزواج، والاجتراء عليه دون أخذ الأسباب، فلابد من أخذ الأسباب، أما الذين لا يقدرون المسؤولية، ويريدون أن يتزوجوا دون أخذ بالأسباب الشرعية فإنهم أناس متهورون ينبغي عليهم أن يتعقلوا، لكن إذا صدقوا الله، وأخذوا بالأسباب فإن الله في عونهم ولا شك، وإن من الظلم الحاصل في المجتمع اليوم عضل المرأة وهو حبسها عن النكاح ممن تريد الزواج به دون سبب شرعي، وهذا الأمر الذي ورد النهي عنه في الكتاب العزيز فى سورة البقرة، كما قال الله تعالى ” فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ” وقد نزلت في شأن المطلقات، وهي عامة في مدلولها بعدم منع المرأة من الزواج بمن تريد الزواج به إذا كان كفؤا لها دينا وخلقا وهؤلاء الأولياء الذين يحبسون النساء مخالفون لقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم “إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض”

ويجب علينا جميعا أن نتأمل الفتنة التي حصلت اليوم من الاتصالات المحرمة وغيرها، والفساد العريض الذي نشأ، بسبب حبس الأولياء لبناتهم، أو أخواتهم عن نكاح الكفء الذي يتقدم إليها وهي تريده، فإذا كان الخاطب كفأ، ورضيته المخطوبة، ومنعها الولي، ففي منعه ثلاث جنايات، الأولى هى معصيته أمر الله ورسوله كما في الآية والحديث المتقدمين، لأن منع الخاطب من حق أعطاه الله ورسوله إياه معصية ولا شك وظلم، فالله أعطى الخاطب حقا إذا تقدم يرضى دينه وخلقه فحقه أن يزوج، فإذا منعه الولي من حقه، وعضل المرأة فهو ظالم لكل منهما، وقال العلماء إذا امتنع الولي من تزويج الكفء سقطت ولايته، وصارت الولاية لمن بعده، وإذا تكرر ذلك منه، يرد هذا وهذا وهذا، صار فاسقا عند العلماء، ناقص الإيمان والدين، حتى قال كثير من أهل العلم عنه لا تقبل شهادته، ولا تصح إمامته، ولا ولايته، ولا جميع أفعاله وتصرفاته التي يشترط لها العدالة، لأنه لم يعد عدلا، صار فاسقا من تكرار رده للأكفاء الذين يتقدمون لمن ولاه الله تعالى أمرها، فيكون فاسقا بذلك تسقط عدالته وشهادته، وإذا مُنع أبناؤنا من التزوج ببناتنا فبمن يتزوجون؟ هل يذهب الناس إلى الخارج.

إلى أقاصي الأرض ليتزوجوا وقد يتزوج امرأة كافرة مجهولة النسب سيئة الدين، ثم يقع بعد ذلك من الإشكالات ما يقع، هؤلاء الأولياء الظلمة الذين لا يرحمون من تحت أيديهم ممن ولاهم الله أمورهن من النساء الضعيفات، ويجعلون من المهر طريقا للكسب الحرام، وأكل المال بالباطل فإذا جاءهم الكفء في دينه وخلقه، ولم يكن عنده ما يرضي طمعهم وجشعهم فكروا وقدروا فقالوا البنت صغيرة، البنت تريد إكمال الدراسة، شاورتها فأبت، وهو كذاب ما شاورها ولا أبت، وسيحاسبون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وإن بعض هؤلاء الظلمة يشترط لنفسه مالا غير مهر ابنته، فيقول أريد لي كذا، ولزوجتي أم البنت كذا، ومهر البنت كذا، ظلما لا حق لهم به، يأكلون سحتا وحراما لأن الله لم يجعل غير المهر للبنت، ولم يجعل من المهر شيئا للأب إلا برضا ابنته، ويقول بعض هؤلاء الظلمة، كيف يجترئ فلان أصلا أن يتقدم إلينا؟ هو لا يزوجه ولو كان كفأ، ولكن بالإضافة إلى ذلك يقول كيف يجترئ أن يتقدم إلينا؟ كيف يجترئ هذا الوضيع أن يطلب ابنتنا؟ كيف كانت له عين أن يطرق بابنا وهكذا، ثم بعد ذلك قد يزوجها حسيبا غنيا بزعمه، لكنه لا يصلي، ومن أرباب سفريات الفسق والفجور، فخان الأمانة التي ولاه إياها فحسبه عذاب الله يوم القيامة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.