بلاغة القرآن وفصاحته

0

⁦▪️⁩بقلم فضيلة الشيخ /أحمد تركى
⁦▪️⁩ مدرس القرآن الكريم بالأزهر الشريف
انظر إلى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾.
فيها تكرر حرف الميم ستَ عشرةَ مرةً، ومع ذلك لا يشعر القارئ بشئٍ من العسر عند النطق بها، ولا بشئ من الثقل عند سماعها.
ثم انظر إلى قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾.
وفيها تكرر حرف القاف عَشْرَ مراتٍ، ولا يكاد القارئ يشعرُ بتوالي هذا الحرف مع شدته وقلقلته، وجهره، واستعلائه، ومع ذلك لايشعر القارئ إلا بسهولة النطق، وسلاسة الألفاظ.
وصدق الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر ﴾.
عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ:
“جَاءَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ اقْرَأْ عَلَيَّ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى، وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.)
قَالَ: أَعِدْ، فَأَعَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، فَقَالَ: وَاللهِ إِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّ أَعْلَاهُ لَمُثْمِرٌ، وَإِنَّ أَسْفَلُهُ لَمُغْدِقٌ وَمَا يَقُولُ هَذَا بَشَرٌ”.
وذكر أبو عبيدة:
(أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿ فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ﴾ فسجد وقال: “سجدت لفصاحته”.
وسمع آخر يقرأ:
﴿ فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ﴾.
فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مَخْلُوقًا لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْكَلَام.
حُكِيَ:
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَوْمًا نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ بِقَائِمٍ عَلَى رَأْسِهِ يَتَشَهَّدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، فَاسْتَخْبَرَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عن ذلك، فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ مِنْ بَطَارِقَةِ الرُّومِ مِمَّنْ يُحْسِنُ كَلَامَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهَا وَأَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ يَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتَابِكُمْ فَتَأَمَّلْتُهَا فَإِذَا قَدْ جُمِعَ فيها ما أنزل الله على عيسى بن مَرْيَمَ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾.
وَحَكَى الْأَصْمَعِيُّ:
أَنَّهُ سَمِعَ كَلَامَ جَارِيَةٍ، فَقَالَ لَهَا:
“قَاتَلَكِ اللَّهُ مَا أَفْصَحَكِ”!
فَقَالَتْ: أو يعدّ هَذَا فَصَاحَةً بَعْدَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿ِ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) .
فَجَمَعَ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، وَنَهْيَيْنِ، وَخَبَرَيْنِ، وَبِشَارَتَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾.
جمع فى ثلاثِ كلماتٍ بين: العنوانِ، والكتابِ، والحاجةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾.
قال بعض العلماء هذه الآية ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ ياأيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ.. ﴾ من عجائب القرآن لأنها بلفظة ﴿ يَا ﴾ نادت، و: ﴿ أَيُّهَا ﴾ نبَّهت، و: ﴿ النَّمْلُ ﴾ عيَّنت، و: ﴿ ادْخُلُوا ﴾ أمرت، و: ﴿ مَسَاكِنَكُمْ ﴾ نصَّت، و: ﴿ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ ﴾ حذَّرت، و: ﴿ سُلَيْمَانُ ﴾ خصت، و: ﴿ وَجُنُودُهُ ﴾ عمَّت، و: ﴿ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ اعتذرت.
فجمع فى هذه الآية على لسان النملة بين النداء، والتنبيه، والأمر والنهي والتحذير، والتخصيص، والعموم، والإشارة، والإعذار.
قال ابن كثير رحمه الله:
(وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَجَمِيعُهُ فَصِيحٌ فِي غَايَةِ نِهَايَاتِ الْبَلَاغَةِ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ تَفْصِيلًا وَإِجْمَالًا مِمَّنْ فَهِمَ كَلَامَ الْعَرَبِ وَتَصَارِيفَ التَّعبِيرِ، فَإِنَّهُ إِنْ تَأَمَّلْتَ أَخْبَارَهُ وَجَدْتَهَا فِي غَايَةِ الْحَلَاوَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَبْسُوطَةً أَوْ وَجِيزَةً، وَسَوَاءٌ تَكَرَّرَتْ أَمْ لَا وَكُلَّمَا تَكَرَّرَ حَلَا وَعَلَا لَا يَخلق عَنْ كَثْرَة..)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.