قصّة قصيرة حرمان

0

رياض انقزو. مساكن/ تونس

تعالى صدى صفير الرياح، وغطّى الارجاء متماهيا مع ما يجيش بصدرها من ضيق.

قاعة الجلوس تنبعث منها قهقهات وأصوات -لا تكاد تسمعها أو تفهمها رغم اجتهادها- وهي ملتزمة غرفتها تتجرّع مرارة شعور قاتل بالوحدة.

دفعتها غريزتها لاقتحام القاعة عليهما. اقتربت منهما. رمقتهما بنظرة فيها الكثير من الألم والشوق. كان يلاعب والده. قلّصت المسافة بينها وبينه، مرّرت راحتها على رأسه، ابتسمت رسمت قبلة على خدّه. وهي تهمّ باحتضانه تسلّل من بين ذراعيها وانشغل بهاتفه.

لا شيء يربطه بها سوى وهم بأنّها قد تحلّ محلّ والدته في البيت كما في وجدانه. لا بأس أن تتنازل عن شيء من كبريائها، وتحاول من جديد اذابة الجليد الذي يكتنف علاقتهما. ماذا لو تودّدت له ونادته ابني حبيبي او صغيري؟ وإن تجاهلها وأنكر عليها أمومتها؟

مجرّد جهد بسيط منه للقفز على ما فات وتأسيس اللحظة الراهنة قد يخترق ما بينهما من فتور. لكنّه جهد مضن يحتاج منه للكثير من التجرّد من الأنانيّة والعاطفة. فما ضرّه لو حاول التقرّب منها واشباع غريزتها في أن تعيش إحساس الأمومة؟ ما ضرّ لو تجرّد من ملامح صورة زوجة الأب وناداها ماما ولامس وجدان الأمّ فيها؟

ساد صمت رهيب، وعلا الوجوه وجوم. آبت اليها من جديد لتتجرّع مرارة الحرمان ولتختلي بنفسها وبما حذّرتها والدتها منه ما أن علمت أنّ من يطلب يدها مطلّق وعادت إليه حضانة ابنه.

– الضرّة ما تجيب لضرّتها غير مضرتها وقطع جرّتها…بيت الزوجة عامر وبيت الزوز نساء عادم…إذا حبلت ذبلت…على ضناها حنينة وعلى ربيبها مجنونة…عقرب في الغار ولا ضرّة في الدار…الرزية ولا مرة أبيّا…الأمّ على هانتها محبوبة ومرة البو على طيبتها مكلوبة…

هوّني عليك وعليّ يا أمّي. لن أكون زوجة أب. سأكون أمّا.

تحاملت على نفسها، وتحمّلت اللهب المتّقد بداخلها وكلماته التي تطحنها كما يطحن الحجر الصوان النوى. التفتت اليه مرّة أخرى وهو يمرّر اصبعه على شاشة الهاتف مستعرضا صوّر أمّه في شيء من الشعور بالانتقام والفوز. لم تنبس بابنة شفة، ظلّت تطارده بنظراتها تتوسّل رضاه. ابتسمت، ضحكت، لاطفت، داعبت، اقترحت دون جدوى. أنانيته كانت أشدّ وأثبت من كل محاولاتها.

انكفأت على ذاتها تسربلها الأحزان وشعور مدمّر بالفراغ وحلما بأن تكون أمّا. لم يأبه بها، ولم يلتفت اليها حتى. رنّ هاتفه رنّة خفيفة معلنا وصول ارسالية قصيرة. فتحها وهو موجّه الشاشة نحوها ليقرأ وتقرأ معه” على ضناها حنينة وعلى ربيبها مجنونة. تذكّر هذا جيّدا ابني الغالي”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.