وقفه مع القرآن الكريم ” الجزء السادس “

0

وقفه مع القرآن الكريم ” الجزء السادس “

إعداد | محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء السادس مع القرآن الكريم، فالقرآن الكريم هو كلام الله سبحانه وتعالى، الذي تكلم به على الحقيقة سواء أكان من حيث حروفه أو معانيه، المنزل على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، عن طريق السماع فقد سمعه الملك جبريل عليه السلام من الله تعالى، وسمعه النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، من أمين الوحى جبريل، وسمعه الصحابة الكرام رضي الله عنهم، من النبي صلى الله عليه وسلم، ويُعد القرآن الكريم كتاب الدين الإسلامي الباقي الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لخلقه، فقال الله تعالى فى كتابه الكريم ” ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين ” وهو روح الدين وفيه بيانه، وهو منهج ودستور الأمة الإسلامية، وهو زاد المسلم في حياته، والنور الذي يضيء له دنياه، وقد ذكر العلماء أن للقرآن الكريم العديد من الأسماء والصفات التي ذكرت في نفس القرآن فقيل أن للقرآن الكريم تسعة وتسعين إسما مشتقة من إثنين وسبعين مادة لغوية، وقد ذكر الفيروز آبادي ثلاثا وتسعين إسما للقرآن، وقيل أيضا أن القرآن الكريم له ستة وأربعين إسما، وإن الحكمة من تعدد أسماءه كما قيل أن تعدد أسماء القرآن دلالة واضحة على كماله وشرفه فكثرة أسماء الله تعالى الحسنى تدل على عظمته وكماله.

وكثرة أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، تدل على منزلته ودرجته العالية، وكذلك القرآن الكريم فكثرة أسماءه تدل على مكانته وفضله، وجميع أسماءه وصفاته توقيفية، فلا يجوز وصفه أو تسميته إلا بما جاء فيه عنه، أو ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، في الأحاديث من الأسماء والصفات، وجميع أسماءه بينها اشتراك وتمييز، فهي تشترك فيما بينها بالدلالة عليه، ويمتاز كل إسم منها بدلالته على معنى خاص به، ومن أسماءه وصفاته هو إسم القرآن الوارد في قوله تعالى ” إنه لقرآن كريم ” وأيضا إسم النور الوارد في قوله تعالى ” فآمنوا بالله ورسوله والنور الذى أنزلنا ” وأيضا إسم الذكر الوارد في قوله تعالى ” إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ” وأيضا إسم الفرقان الوارد في قوله تعالى ” تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ” وأيضا إسم الكتاب الوارد في قوله تعالى ” ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ” وأيضا صفة المبارك الواردة في قوله تعالى ” وهذا كتاب أنزلناه مبارك ” وأيضا صفة الفصل الواردة في قوله تعالى ” وإنه لقول فصل ” وأيضا صفتى الهدى والرحمة الواردتان في قوله تعالى ” هدى ورحمة للمحسنين ” وأيضا صفة الكريم الواردة في قوله تعالى ” إنه لقرآن كريم”

وأيضا صفة الحكيم الواردة في قوله تعالى ” الر تلك آيات الكتاب الحكيم ” وإن من أهم واجباتنا نحو القرآن، هو أن نعمل بكل ما جاء في القرآن ونتخلق بأخلاقه، اقتداء بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي ” كان خلقه القرآن ” كما فى الحديث الذى رواه مسلم، وقال الإمام الشاطبى، وإنما كان خلقه القرآن لأنه حكم الوحي على نفسه، حتى صار في علمه وعمله على وفقه، فكان الوحي حاكما وافقا قائلا وكان هو صلى الله عليه وسلم مذعنا ملبيا نداءه، واقفا عند حكمه فكان صلى الله عليه وسلم قرآنا يمشي على الأرض، أي كان يحرص على تطبيق ما في القرآن الكريم وقال النووي، وكون خلقه القرآن هو أنه كان متمسكا بآدابه وأوامره ونواهيه ومحاسنه ويوضحه أن جميع ما قص الله تعالى في كتابه من مكارم الأخلاق مما قصه من نبي أو ولي أو حث عليه أو ندب إليه كان صلى الله عليه وسلم متخلقا به، وكل ما نهى الله تعالى عنه فيه ونزه كان صلى الله عليه وسلم لا يحوم حوله، فإن القرآن الكريم نزل للعمل به، لا ليوضع على الرفوف أو يلف في حافظة من ذهب للذكرى أو يعرض في المتاحف بطبعة فاخرة باهرة، وفى ذلك يقول الفضيل رحمه الله إنما نزل القرآن ليُعمل به فاتخذ الناس قراءته عملا، فقيل كيف العمل به؟

قال ليحلوا حلاله، ويحرموا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه، ويقفوا عند عجائبه، ولقد اهتم الصحابة بالعمل بالقرآن الكريم أيما اهتمام، ويقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه كنا نتعلم العشر آيات من القرآن فلا ندعها حتى نعمل بها أو فلا نجاوزها إلى غيرها حتى نعمل بها فتعلمنا العلم والعمل جميعا، فالصحابة كان يفقهون آيات القرآن الكريم ويعيشون معها وكانوا يسارعون إلى طاعة أوامر الله عز وجل واجتناب نواهيه، ولهذا لما نزلت آيات النهي عن شرب الخمر سكب المسلمون ما عندهم من أواني الخمر حتى امتلأت بها سكك المدينة، أي شوارعها وطرقاتها وقالوا انتهينا يا ربنا، وكذلك آيات الحجاب، لما نزلت سارعت نساء الأنصار إلى أثوابهن وجعلن منها حجابا كما أمر الله تعالى، ولكن الفرق بيننا وبين الصحابة الكرام رضي الله عنهم أنهم كانوا يتلقون القرآن للعمل والتنفيذ، أما نحن فللأسف نتلقاه للاستماع والتنغم به في المآتم والحفلات والإعجاب فقط، وقلما يلتزم أحد الآن بواجباته كلها نحو القرآن العظيم، فانظروا كيف تعامل الصحابة الكرام مع القرآن الكريم ؟ وكيف يتعامل معه المسلمون اليوم ؟ فيصور حالنا اليوم في العمل بالقرآن الكريم الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فيقول.

” إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب عليهم العمل به، فكلنا نحفظ القرآن ونسمعه حرفا حرفا ونتفنن في أسئلة الآيات المتماثلات والمتشابهات منه، ولكن هل طبقنا ما فيه من قيم وأخلاق، وحلال وحرام، وأوامر ونواهي؟ فقال القرآن الكريم كما قال عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم ” فالقرآن حجة لك أو عليك ” رواه مسلم، ويكون حجة عليك عندما تقرؤه فلا يتجاوز آذانك ولا ينعكس على سلوكياتك وتصرفاتك، وإن الجوانب الإنسانية في القرآن الكريم مهمة جدا لأن القرآن الكريم نزل علي إنسان وهو النبي الكريم محمد صلي الله عليه وسلم، وخاطب الإنسان وهم جميع الناس، وإن الرسالة المحمدية بجموعها رسالة إنسانية، فقد جاءت لتراعي إنسانية الإنسان فيما تأمر به أو تنهي عنه، وإذا نظرنا إلى المصدر الأول للإسلام وهو القرآن كتاب الله، وتدبرنا آياته، وتأملنا موضوعاته واهتماماته، نستطيع أن نصفه بأنه، كتاب الإنسان، فالقرآن كله إما حديث إلى الإنسان، أو حديث عن الإنسان، ولو تدبرنا آيات القرآن الكريم كذلك لوجدنا أن كلمة الإنسان تكررت في القرآن ثلاثا وستين مرة، فضلا عن ذكره بألفاظ أخرى مثل بني آدم التي ذكرت ست مرات.

وكلمة الناس التى تكررت مائتين وأربعين مرة في القرآن وكلمة العالمين وقد وردت أكثر من سبعين مرة والحاصل أن إنسانية الإسلام تبدو من خلال حرص الشريعة الإسلامية وتأكيدها على مجموعة من القضايا المهمة، ولعل من أبرز الدلائل على ذلك أن أول ما نزل من آيات القرآن على رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم خمس آيات من سورة العلق ذكرت كلمة الإنسان في اثنتين منها، ومضمونها كلها العناية بأمر الإنسان، فقال الله تعالى فى سورة العلق ” اقرأ بسم ربك الذى خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذى علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم ” وإذا نظرنا إلى الشخص الذي جسد الله فيه الإسلام، وجعله مثالا حيًا لتعاليمه وقيمه الإنسانية، وكان خُلقه القرآن، نستطيع أن نصفه بأنه الرسول الإنسان وإذا نظرت في الفقه الإسلامي وجدت العبادات، لا تأخذ إلا نحو الربع أو الثلث من مجموعه، والباقي يتعلق بأحوال الإنسان من أحوال شخصية، ومعاملات، وجنايات، وعقوبات، وغيرها، وإن العبادات كلها فيها معاني إنسانية سامية فالزكاة المفروضة مثلا ليست ضريبة تؤخذ من الجيوب، بل فيها معاني إنسانية سامية، فهي غرس لمشاعر الحنان والرأفة، وتوطيد لعلاقات التعارف والألفة بين شتى الطبقات، وقد نص القرآن الكريم على الغاية من إخراج الزكاة بقوله تعالى فى سورة التوبة.

” خذ من أموالهم صدقه تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ” وفي الصيام نعلم أن رمضان هو شهر الأخلاق ومدرستها، فهو شهر الصبر، وشهر الصدق، وشهر البر، وشهر الكرم، وشهر الصلة، وشهر الرحمة، وشهر الصفح، وشهر الحلم، وشهر المراقبة، وشهر التقوى، وكل هذه أخلاق إنسانية يغرسها الصوم في نفوس الصائمين وذلك من خلال قوله تعالى فى سورة البقرة ” يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ” بكل ما تحمله كلمة التقوى من دلالات ومعان إيمانية وأخلاقية وإنسانية، وكذلك شعيرة الحج هى مدرسة أخلاقية وإنسانية فيجب على الحاج اجتناب الرفث والفسوق والجدال والخصام في الحج، فضلا عن غرس قيم الصبر وتحمل المشاق والمساواة بين الغني والفقير والتجرد من الأمراض الخلقية، ولقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في القيم والمعاني الإنسانية والخلقية قبل البعثة وبعدها وقد شهد له العدو قبل القريب، وكان ذلك واضحا فى قول السيدة خديجة رضى الله عنها فيه صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه الوحي وجاء يرجف فؤاده، فقالت له ” كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتفرى الضيف وتعين على نوائب الحق ” بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب الرسالة المحمدية كان مشهورا وملقبا في قريش قبل البعثة بالصادق الأمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.