فى طريق الهدايه ومع نبى الله هود ” الجزء الثانى “

0

إعداد / محمـــد الدكـــرورى
ونكمل الجزء الثانى مع نبى الله هود عليه السلام، وقد توقفنا معه عليه السلام عندما نادى على قومه وقال لهم أن هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله وتريدون شفاعتها وأن تقربكم إلى الله زلفى فإنها تبعدكم عنه من حيث ظننتم أنكم إليه تقتربون، وتدل على جهلكم في الوقت الذي تظنون فيه أنكم تعلمون وتفهمون، فأعرضوا عنه، وقالوا ما أنت إلا سفيه طائش الحلم تسفه عبادتنا وتعيب ما وجدنا عليه آباءنا، فما ميزتك علينا؟ أنت تأكل كما نأكل، وتشرب كما نشرب، وحياتك كحياتنا، فلما اختصك الله بالرسالة وآثرك بالدعوة؟ ما نظن إلا إنك من الكاذبين، فقال نبى الله هود عليه السلام يا قوم ليس بي سفاهة عقل ولا حماقة رأي، ولقد عشت فيكم دهرا طويلا، فما أنكرتم عليّ شيئا، وما جربتم عليّ حمقا ولا طيشا، وما الغريب في أن يختص الله واحدا من قومه برسالته ويحمله دعوته، إنما الغريب أن يترك الناس سدى من غير رسول، وفوضى لا وازع لهم ولا رادع، وأنا لست بيائس من إيمانكم، ولا ضائق الصبر بسفهائكم، ففكروا بعقولكم وانفذوا إلى الحقائق ببصائركم، تروا أن الله واحد في كل شيء فآمنوا به واستغفروه، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال فوق أموالكم، ويزدكم قوة إلى قوتكم، ولا تتولوا مجرمين، واعلموا أنكم بعد موتكم سوف تبعثون، مَن عَمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها، فتدبروا لأنفسكم.
وخذوا الأهبة لآخرتكم وقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم، وإني لكم نذير مبين، فردوا عليه فقالوا لا شك أن واحدا من آلهتنا قد مسّك بسوء، فخولطت في عقلك ودخل عليك في تفكيرك، فأصبحت تهذي بكلمات لا حقيقة لها إلا في خلدك، ولا ظل لها إلا في تفكيرك، وإلا فما الاستغفار الذي يرسل الله بعده الماء، ويمد بالمال، ويزيد في القوة، وما يوم البعث الذي تزعم أننا نعود منه، بعد أن نصبح عظاما نخرة وجثثا بالية؟ هيهات هيهات لما تعد وتزعم، وما هي إلا حياتنا نموت وما يهلكنا إلا الدهر، ثم ما العذاب الذي تعدنا به ونتوقع أن نلقاه؟ إننا لن نذعن لما تقول، ولن نرجع عن عبادة آلهتنا، فآتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، فلما تبين له العناد في أحاديثهم، والإصرار على كفرهم، قال لهم إني أشهد الله أنني قد بلغت وما قصرت، وجاهدت وما أحجمت، وسوف أستمر على هذا البلاغ وذاك الجهاد ولا أبالي جمعكم، ولا أخاف بطشكم، فكيدوني كيدا، أو أجمعوا بي بطشا، إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو أخذ بناصيتها ومعنى الناصية أى هي خصلة الشعر في مقدم الرأس، إن ربي على صراط مستقيم، فظل نبى الله هود عليه السلام يدعو قومه وهم معرضون، وفيما هم على هذا الحال رأوا سحابا أسود في السماء، فنظروا إليه وخفوا إلى رؤيته سريعا وقالوا هذا سحاب عارض سيمطرنا.
ثم تهيؤوا لاستقباله، وأعدوا حقولهم لنزوله، ولكن نبى الله هود عليه السلام قال لهم ليس هذا سحاب رحمة، وإنما هو ريح نقمة، هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم، وما راعهم إلا أن رأوا رحالهم ودوابهم في الصحراء تحملها الرياح القوية الشديدة وتقذف بها إلى مكان بعيد، فدخلهم الفزع والرعب، وأدركهم الهلع، وهرعوا سراعا إلى بيوتهم يغلقونها عليهم ظنا أنهم بذلك ينجون، ولكن البلاء كان عاما وشاملا إذ حملت الريح رمال الصحراء وقذفتها عليهم، وظلت سبع ليال وثمانية أيام متتاليات حسوما، أي دائمات متتابعات، أصبح القوم بعدها كأنهم أعجاز نخل خاوية، وعفا ظلهم، ودرس رسمهم، وانمحى من التاريخ أمرهم، فقال الله تعالى فى كتابه الكريم فى سورة هودوما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ” أما نبى الله هود عليه السلام، فقد آوى إليه صحبه ومن آمن به، وظلوا بمكانهم، تهزم الرياح بصوتها، وتسفي الرمال وهم آمنون مطمئنون حتى هدأت الريح، وصفا الحال ثم انتقل إلى حضرموت، وقضى بها البقية الباقية من عمره، ومما يستفاد من هذه القصة، هو أنهم كانوا نازلين بالأحقاف بين اليمن وعُمان إلى حضرموت، والأحقاف جمع حقف، وهو الرمل المستطيل المرتفع، وأنهم استعجلوا عذاب الله ولم يؤمنوا به، فعاقبهم الله أشد العقاب.
وإن من أهم أهداف ذكر هذه القصة في القرآن الكريم في عدة مواضع هو تحذير كفار مكة الذين لم يؤمنوا برسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أن يحل بهم العذاب على كفرهم وتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل ما حل بعاد قوم هود عليه السلام، ودعوة لهم بأن يستجيبوا للدعوة ويبادروا بالتوبة قبل أن تحل بهم النقمة، وكمال النصح والشفقة من هود عليه السلام على قومه وحسن مجادلتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وهكذا ينبغي لكل داعية ناصح أمين، وقد دلت الآيات على فساد التقليد حين ذمهم بسلوك طريقة آبائهم في الكفر والشرك بالله، وتدل على أن المعارف مكتسبة، وتدل على بطلان كل مذهب لا دليل عليه، وأن الإيمان بالله تعالى سبب نجاة من آمن من قوم هود عليه السلام، وأن الله عز وجل أهلك المكذبين وهم قوم عاد بريح عاتية، فكانت تحمل الرجل منهم فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه، فتثلع رأسه حتى تبينه من جثته، وكانوا قوما عمالقة يسمون العماليق، ومع ذلك أهلكهم مع قوتهم وشدتهم بسبب تكذيبهم وكفرهم، وأنهم كانوا يبنون بكل ريع وهو المكان المرتفع أي علامة للعبث واللهو وإظهار القوة، لا للحاجة إليها، فأنكر الله تعالى عليهم على لسان نبيه هود عليه السلام كما في كتاب الله الحكيم فى سورة الشعراء، وكما أنهم بنوا مصانع وقصورا راجين الخلود في الدنيا.
وهذه إشارة إلى أن عملهم ذلك لقصر نظرهم على الدنيا، والإعجاب بالآثار، والتباهي بالمشيدات، والغفلة عن أعمال المجدين البصيرين بالعواقب الصالحين المصلحين، وأن محصل القصة أن الله سبحانه أرسل رسوله هوداعليه السلام إلى قومه يدعوهم إلى عبادة الله الواحد الصمد، ويطلب منهم نبذ عبادة غيره من الأوثان والآلهة، فاستخف به قومه، وسخروا منه، واستمروا في طغيانهم يعمهون، فعاقبهم الله على موقفهم، بأن أرسل عليهم ريحا قوية، استأصلت شأفتهم، وجعلتهم حصيدا، ونجّا الله هودا والذين معه من المؤمنين، ولقد دعانا القرآن الكريم للنظر والاعتبار في حال الأمم والحضارات التي عاشت حينا من الدهر وسادت، لكنهم لم يسخروا هذه الحضارة في عبودية الله تعالى، فزالت حضارتهم وأصبحوا أثرا بعد عين، وهى قصة من القصص الحق، مليئة بالدروس مشحونة بالعبر، فيها تسلية للمستضعفين ورسالة إنذار للطغاة والمتجبرين، مع خبر أمة لم ير مثلها في الطغيان والعناد والبطش والفساد، ظلموا أنفسهم وعلو في الأرض، وما علموا أن الطغيان مهلكة للديار، مفسدة للأمصار، مسخطة للجبار، نهايته ومآله خيبة ومذلة فقال الله تعالى فى سورة طه ” وقد خاب من حمل ظلما ” وإنهم قوم عاد الذين تزاهوا بالمال، وتباهوا بالقوة، فأورثهم ذلك طغيانا وكفرا وعنادا وبطران فقال الله تعالى فى سورة الفجر.
ألم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد ” وقال السدي، كانوا باليمن بالأحقاف، وهو جبل الرمل، وقد بسط الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة قوة في أجسادهم وضخامة في أبدانهم كما قال الله تعالى فى سورة الأعراف ” وزادكم فى الخلق بسطة ” بل لم يخلق الله مثل قوتهم فقال الله تعالى فى سورة الفجر ” التى لم يخلق مثلها فى البلاد ” فكانوا أقوى أهل زمانهم عسكريا واقتصاديا وكانت لهم الخلافة بعد قوم نوح عليه السلام، فقال الله تعالى فى سورة الأعراف ” واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ” وقد كان قوم عاد أصحاب رقي وعمران وحضارة في البناء ومدنية في الحياة، فمساكنهم آية في الروعة والفن، وقد أشار القرآن الكريم إلى شيء منها في قوله تعالى فى سورة الفجر ” ذات العماد ” أي ذات البناء الرفيع، وزادهم الله تعالى بسطة في النعيم، فكانت أراضيهم جنات وعيونا، فزادت مواشيهم، وفاضت أموالهم، وكثر أبناؤهم فقال الله تعالى فى سورة الشعراء ” أمدكم بأنعام وبنين، وجنات وعيون ” وقدعاش قوم عاد حياة الترف والالتهاء بالدنيا، فكان الواحد يحكم بنيانه ويرفعه ويباهي به، لا لحاجته بل للمفاخرة والتطاول كما قال تعالى فى سورة الشعراء ” اتبنون بكل ريع آية تعبثون ” وتنافسوا أيضا من الإكثار في المساكن والبروج الشاهقة ليخلد في الدنيا ذكرهم، فقال الله تعالى فى سورة الشعراء.
وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ” وقابلت هذه الأمة العربية نعم الله بالكفران، وآلاءه بالجحود والنكران، فعبدوا الأوثان، واعتقدوا فيها النفع والضر، فلم تغن عنهم حضارتهم وتقدمهم شيئا وكانت تلك الأمة قد فشا فيهم الظلم، وفيهم طغاة يطاعون من دون الله تعالى، وغرتهم حضارتهم وقوتهم فقالوا من أشد منا قوة، فبعث الله لهم نبيهم هودا عليه السلام، فدعا وذكر ونصح وأشفق عليهم ودعاهم إلى عبادة الله وحده ونبذ الأوثان، وذكرهم نعم الله المتتالية عليهم، وحثهم على الاستغفار والتوبة وأن الرجوع إلى الله يزيدهم خيرا، وبين لهم إنه لا يريد من هذه الدعوة مصلحة أو مالا، وقد آمن مع نبى الله هود من آمن من قومه، والغالب اختاروا طريق الهوى والعناد والإعراض فقابلوا هذه الدعوة الصادقة بمواقف عدة حكاها القران في مواضع متفرقة، فاحتقروا نبيهم ورموه بالسفاهة والكذبن واتهموه في عقله، وادعوا انه لم يأتهم بالأدلة المقنعة على دعوته، وصارحوه بالكفر، بل ادعوا أنهم على الحق وهو على الضلال، وقد مكث نبى الله هود عليه السلام ما شاء الله له أن يمكث في قومه، ودارت بينه وبين قومه جلسات حوار ومناظرة، واستخدم معهم وسائل الإقناع وطرائق التأثير، ورغب ورهب، ولان وترفق، حتى مل قومه هذا الحوار وتلك النصائح فقالوا له ” سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين ” وأعلنوها صراحة أن طريق الآباء هو الحق والهدى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.