رواية البنديرة

رواية البنديرة

كتب دكتور سيد العايق
جريدة موقع آبناء الوطن العربي

تذهب الكاتبة زينب الغريبية في روايتها الأولى التي صدرت في مسقط هذا الأسبوع إلى الكشف عن تلك القصص النائمة في الأرض العمانية، هذه الأرض التي لم تبح حتى الآن إلا البنزر اليسير مما تخبئه وهو بدلا من أن يزيدها وضوحاً عمق من غموضها، ومن هنا كان اختيارها “البنديرة ” عنوانا للرواية، وهي الكلمة التي ترمز إلى العلم أو الراية في الثقافة العمانية تاركت القارئ ليكتشف بنفسه دلالات هذا التوظيف من خلال تطور الرواية ومجرياتها.
تبدأ حكاية الرواية من البيت المعمور مع ساعد بن خلف شيخ القبيلة، الشخصية التي تحمل تناقضات أخفتها السلطة، فأهل نعمات المنطقة التي ورث سيادتها لا شيء يرهبهم أو يطربهم مثل السلطة، فالحالة الإنسانية كما تصورها هذه الرواية عصية على الفهم .. يمتزج فيها الخضوع والتمرد في آن واحد دون أن يحدهما الزمان أو جنس الإنسان، ولذا تذهب الرواية إلى تجسيد ذلك التمرد في حالة امرأتان عاشتا في زمنين مختلفين، جمعتهما الرغبة في الحفاظ على الكينونة الإنسانية التي يحاول المجتمع سلبها لعوامل مختلفة يتناقلها من جيل لآخر، فرايه بنت ساعد بن خلف التي عاشت في البيت المعمور في وقت كانت الحياة صندوق مغلق لا يتاح للمرأة أي فرصة لفتحه والتفرج على مكوناته لا تختلف عن قطر الندى التي عاشت في زمن النهضة والانفتاح والتعليم والسفر للخارج كلاهما حملت نفس الروح التي تجسدت في البنديرة والكتاب، ولا يستطيع القارئ التمييز إن كانت البنديرة والكتاب رمز وخيال أم حقيقة نتيجة الأسلوب الذي تبنته الروائية في التنقل بينهما، وفي العبور بين الأزمان ذهابا وإيابا، بلغة غارقة في الشاعرية تصف بها الحوارات الداخلية التي تحتدم داخل نفس كل فرد من أفراد الرواية، مظهرة بها ذلك الانقسام والتشظي عبر الزمان ليس فقط في الإنسان ولكن في المكان والمعتقدات والمؤسسات، التي أجادة الكاتبة تصويرها بدقة رغم بعدها الزمني ، والمكاني.
لقد نجحت الكاتبة على امتداد سردها في جعل الأصوات تتداخل داخل النص بشكل يعكس ذلك التعقيد في العلاقات الإنسانية والاجتماعية والمؤسساتية، وأبرزت من خلال ذلك التداخل أيضا جمالية الحياة العمانية والأرث الذي لا تزال تتناقله أجيالها، والذي كما أبرزت الرواية يواجه تحديات ناتجة عن التفاعلات الاجتماعية والسياسية التي تعيد إنتاج نفسها في أزمنة مختلفة وعبر إشخاص أخرين، ومن خلال ذلك يتمكن القارئ من الانتقال إلى المكان ليعايش ما يقرأ من تحولات في الحياة العمانية التي خيمت عليها الحداثة ومحاولة المجتمع شأنه شأن غيره من المجتمعات أثبات مواكبته للعالم من حوله ..ولم يعد هناك من روابط إلا تلك التي يخترعها الفرد أو المجتمع من أشياء قد لا تكون موجودة أو حقيقة ولكنها يوجدها لكي لا يفقد نفسه كلية وهي كما رمزت لها الكاتبة الحقيبة والكتاب والبنديرة.

زينب الغريبية هي كاتبة عمانية لديها اهتمام بأدب الأطفال، صدر لها حتى الآن 35 قصة ترجم بعضها إلى الإنجليزية والبرتغالية والإسبانية، وهي منذ خمس سنوات تقود دار الوراق العمانية للنشر التي عززت من حضور الكتاب العماني وانتشاره داخليا وخارجياً، وعلاوة على ذلك هي كاتبة مقال بجريدة الرؤية العمانية، صدر لها عدة كتب منها “النفط الذي نريد”، و “الأطفال أولاً”، لديها اهتمامات تربوية نفسية وهي حاليا طالبة دكتوراه بجامعة جلاسجو سكوتنلدا .

التعليقات مغلقة.