الاختيار من بدائل ام بدائل الاختيار

موازنات

كتب الدكتور كمال الحجام
تطالعنا الحركة العالمية لجودة التعليم في العالم بدعوة دولية منظمة موجهة إلى كافة النظم التربوية حول سعي هذه الأخيرة إلى العمل على تحقيق الهدف الرابع من جملة أهداف التنمية المستدامة (2030). فإذا كان جوهر هذا الهدف الرابع ينص على توفير التعليم الجيد والمنصف الى كافة المواطنين على مدى الحياة، فإن الدراسة المتأملة في مضمون هذا الهدف في علاقته ببقية الاهداف، يكتشف ضرورة توفير كل النظم التربوية لجميع مواطنيها جملة من الأهداف تندرج في شكل معادلة حقوقية تنظم العلاقة بين صاحب الحق والقائم بالواجب. ومن اهم هذه الحقوق يمكن ان نذكر:
– حق الجميع في التعليم الجيد دون تمييز مهما كان نوعه..
– حق التعليم باعتباره مؤسسا لسائر الحقوق الأخرى وشرطها الاساسي
– حق التعليم باعتباره وسيلة لتغيير حياة الناس والرقي بها
– حق التعليم كعامل أساسي للتنمية الإنسانية المستدامة وتنمية الأفراد والشعوب والمجتمعات.
ويتاكد المتأمل لجملة هذه الحقوق من رهانها الواضح على تطوير قدرة التفكير والابداع والمبادرة والتمكن من التكنولوجيات الرقمية بالنسبة الى جميع المواطنين، كما يتبين له ان اهمية هذه الحقوق المختلفة تكمن في مساهمة الجميع في تحقيق ضمانات التنمية المستدامة، وذلك بإنتاج المعارف والتحكم في العلوم و السيطرة على كيفية توظيفها في الوضعيات الاجتماعية على نحو تطوير جودة الحياة والشعور بالسعادة.
ان الرهان الأكبر من جودة التعليم هو ان يكون الانسان ” مالكا للطبيعة ومسيطرا عليها” على حد قول ديكارت. وفي هذه اللحظة الفكرية تطرح مسألة النموذج المعرفي الموجه لتحقيق الرهان المطلوب، فهل يتدرب ابناؤنا التلاميذ على حفظ العلوم وخزن المعارف وتمكينهم من الاستظهار بها عند الحاجة او توظيفها لاختيار بديل من بدائل تعرض عليهم، ام ان المسألة تفضي ضرورة إلى التدريب المنهجي على حل المشاكل وابتكار الحلول غير المقترحة او المفروضة. واعتقد ان الفارق بين المقاربتين مضمونيا ومنهجيا واضح وجلي، لأن الفرد الذي يختار في النهاية فهو يفكر في مدى تطابق أفضل الحلول مع الوضعية المعروضة عليه بتذكر المعارف واستظهارها من الذاكرة. وفي الحقيقة، فإن من يدعى الى التفكير في أطر قائمة محددة الخيارات لم ينتجها ولم يفكر فيها، لا يعدو أن يكون في وضعية المتقبل والموجه بمقترحات الآخر. والجدير بالذكر ان هذا التوجيه لا يسمح بالتفكير المتعدد، كما لا يسمح بإنتاج ما يتوافق مع المطلوب. فكما توهمنا الطرق الاستجوابية بمختلف تمظهراتها بما تمنحه من مجال حرية التفكير والنشاط الذهني، فإنها في الحقيقة لا توفر سوى تذكر المعرفة واختيار بديل من الاجوبة مما هو متوفر دون عناء، فإن اجاب المستجوب عن السؤال المطروح لانه يمتلك إجابته، فلا إضافة نوعية حاصلة له. وان لم يتمكن من الاجابة لانه لا يتملك المعارف الضرورية فهو ايضا لم يتعلم شيئا. يوهمنا وبنفس الطريقة المنوال القائم على اختيار بديل من جملة البدائل المعروضة بأن المستجوب مدعو إلى التفكير قبل الإجابة ليختار نتيجة استدلال معين، ولكن في حقيقة الامر، فهو دوما في وضعية المتلقي غير النشيط الذي يختار البديل الأقرب للإجابة من جملة البدائل الأخرى المعروضة عليه.
تتميز الوضعيات المعروضة أمام الفرد اليوم بانها فريدة وجديدة، إذ تتفاعل مكونات كل منها بطريقة تجعلها تظهر في وضع غير مألوف يمختلف عن السابق، وأن البحث عن حل لها يمر وجوبا بتحليلها وفهم منطق بناء مكوناتها والتفكير في إنتاج حل لم يسبق أن تواجد في غيرها من الوضعيات، كما يتطلب هذا العمل الابداعي إنتاج حلول تخضع ضرورة للملاحظة والمراقبة في مدى وجاهتها عند التصاقها بالواقع ومحاولة تغييره. ان الباحث عن الحل او لحلول يستعمل ضرورة الاستدلال المتعالي من الأسفل إلى الاعلى، اي من التروي من طبيعة المشكل كما يظهر في سياقه، نحو الصياغة النهائية للحل التي تتطلب بدورها قدرة على الربط بين متغيرات الإجابة والإخراج النهائي لها.
ان القدرة على مواجهة المشاكل الجديدة وما تطرحه من تحديات تستوجب ضرورة القدرة على تحليل الوضعيات المعقدة والمركبة، كما يتطلب القدرة على تحليل المعطيات المختلفة، وهي بالضرورة معطيات متعددة وتنتمي إلى مجالات مختلفة، وهي متشعبة باعتبارها مرتبطة ببعضها البعض، ان هذه الوضعيات تتطلب القدرة على التفكير في كيفية التأليف بينها لتكون حاضرة في الذهن بما يسمح بمعالجتها كاملة . ويجرنا هذا بالضرورة إلى تطوير القدرة على استنباط حلول وبدائل طريفة لقضايا غير متوقعة.
يقود هذا العمل المنهجي إلى استهداف كفايتين كبيرتين متكاملتين، فإذا تركزت الكفاية الأولى على تطوير الذات وأخذ الثقة بالنفس والقدرة على تجاوز الضغط والقدرة على التواصل مع الآخر والتعاون والتشاور معه وأخذ القرار، فإن الكفاية الثانية تكون متصلة اساسا بسياق الوضعيات الفريدة والمتجددة باستمرار، وتتمثل في التعامل مع طبيعة كل وضعية وتطوير القدرة على مناقشتها وايجاد التمشي المنهجي لحلها مع ضرورة ممارسة التفكير الناقد لما ينتجه بما يمكن من المبادرة والابداع والتجديد.
ان الإيمان بأن الحلول لا قيمة لها إلا بمدى تطابقها مع الواقع، وأن الأجوبة المقترحة لحل المسائل المطروحة يكون تقييمها بمدى قدرتها على تغيير الواقع، يجعل من التوجه الداعي إلى اختيار هذا النموذج القائم على المبادرة وابتكار الحلول البديلة والذي يستند إلى واقعية قوية والى معقولية ذكية في اختبار الواقع. فإذا كانت الواقعية تفترض في هذا السياق الانطلاق من واقع اشتغال الوضعية كما تجري بصفة فعلية، فإنها تقوم بالأساس على مقاربة الواقع ومحاولة فهم منطقه الداخلي وتركيبة عناصره وطريقة تفاعله، فإن المعقولية هي البحث الفكري عن مدى تطابق الحلول المنتجة مع تعقد الوضعية ومتطلباتها. فالتفكير الاستدلالي القائم على الملاحظة والفهم وإيجاد الروابط والإنتاج الفكري للحلول، هو الذي يساهم في نحت المواطن المتفاعل إيجابيا مع متطلبات الواقع، المواطن الذي لا يخاف المجازفة والمبادرة، المواطن الذي لا يأبه لحلول لم تنجح ليتوقف عندها قلقا مضطربا حائرا فاقدا الثقة في النفس. بل هو المواطن الذي يصنع من المحاولة ارادة جديدة وكسبا معنويا هاما يعكس ثقته بنفسه بما يجعله قادرا على انتاج حلول جديدة متنوعة ومختلفة. فهو الباني لها والمؤسس الفكري لها، هذا ما يمكنه من تبنيها بوعي كامل ويسمح له بحسن استخدامها الوظيفي في الوضعيات الجديدة والفريدة.
ان هذا التمشي يأخذ معناه الكامل عندما نعرف أن الوضعيات المتعامل معها اليوم في ظل زخم المعارف وتجددها بانتظام، هي وضعيات فريدة نظرا لاختلاف مكوناتها. فهي تواجهنا متعددة، وتعددها يجبرنا على حلول فريدة لا مجال لاستنساخها وتطويعها في كل الوضعيات حتى الشبيهة منها. لكل ذلك ترانا نؤكد أن بناء البدائل وابتكار الحلول يكون النموذج الافضل في مناهجنا الدراسية الجديدة، وأن تكوين الفاعلين على التعامل معها والتدرب على حسن توظيفها في سياقات تكوين حقيقية داخل الفصول والتامل فيها يكون من بين الاولويات الاستراتيجية في نظامنا التربوي القادم. ان الوضعيات التي نتعامل معها هي التي تفرض التمشيات الضرورية للنجاح فيها. فإذا كانت الوضعيات تتميز بصفتي التعقيد والتركيب، فإن التمشيات المناسبة للتعامل معها تستوجب التفكير المتعدد وابتكار البدائل، لا الاختيار من بدائل…
د/ كمال الحجام
الجمعة 3 افريل 2020

التعليقات مغلقة.