بيداغوجيا القرب: قناعة….فإرادة…فقدرة..

موازنات

كتب الدكتور كمال الحجام

يمكن ان نعتبر اليوم أنه من بين أهم القضايا التربوية- الاجتماعية المطروحة بإلحاح أكثر من ايً وقت مضى، المسألة البيداغوجية لا على مستوى مضامينها وتمشياتها التعليمية- التًعلمية على أهمًيًة ذلك، ولكن بالاخص على مستوى كيفية تشغيل محرّكات النظام التربوي عامة والنّظر بعمق في طبيعة القرار التربوي ونوعيته وخاصة العلاقة بين الطّرف المنتج له وكيفية ولادته والطرف المنفّذ له وكيفية التفاعل معه لإعطائه معانيه الكاملة. ولا نخال في هذا المستوى أن النجاح في نسج هذه العلاقة يكون تلقائيّا، بل نقدّر أن علاج هذه الصلة وهذا التبادل الجدلي بين المركزي والجهوي يحتاج منا إعادة التّفكير والقدرة على البناء في سياق اجتماعي ثقافي تربوي اقتصادي نعيش فيه عسر الانتقال الديمقارطي…
لقد تأكدت أهمية طرح هذه المسالة النوعية المتعلقة بملامسة النظام التربوي خلال العشرية الأخيرة خاصة، إذ يمكن القول أن التوجه العام يسير في اتجاه محافظة المركز على قراراته سعيا إلى ترسيخ مكاسب النظام التربوي والحفاظ عليها من التشتت والاندثار، وخوفا من تلاشيها في غياب ارادة قوية نابعة من المحليات وقدرات كافية ونوعية لتحمّل هذه المسؤوليات الاستراتيجية…
ولعلنا نذكر بوضوح في هذا السياق أنّه من بين الإصلاحات الجوهرية الواجب طرحها وحسن التعامل مع قيادتها منهجيا ومضمونيّا، هو التعديل المتعلّق بإعادة تنظيم محرّكات النظام التربوي وتشغيل موارده البشرية واللوجستية والعمل التدريجي على تحويل نوعية الأدوارولعل من بين الإصلاحات الجوهرية الواجب طرحها وحسن التعامل مع تنفيذها منهجيا إعادة تنظيم محركات النظام التربوي وتشغيل موارده الذاتية البشرية وتحويل نوعية الأدوار للفاعلين التربويين لاتعبر من منطق التنفيذ غير الواعي الى منطق الفعل المقصود الهادف والمسئول بالقدرة على أخذ القرار ابتكار الحلول الخصوصية الثرية بالواقعية والعقلانية المحلية
الخاصة بمختلف الفاعلين التربويين…هو التّعديل الذي بمقتضاه يتمّ المرور السّلس والمرن من منطق احتكار المركز للقرار الى منطق تحمّل مسؤوليّة نحت القرارات المحلّيّة المندرجة في إطار مشاغلها وواقعها.. هو التعديل الذي يسمح بالمرور من التنفيذ غير الواعي وغير المتأمّل الى منطق الفعل المسؤول المقصود والهادف….هو التعديل الذي يمكّن الجميع من المرور من وضع التطبيق الآلي وتنفيذ التعليمات والاوامر، على قيمتها في مجالها، الى وضع الفاعلين المتأمّلين المتبصّرين والمتمتّعين بالقدرة على أخذ القرار وابتكار الحلول الخصوصية المحلية…
إنّ هذه المساهمة الفكرية بما تفرزه من إجرا ءات عملية تحاول أن تؤسس لحصيلة ديمقراطية في مجال التربية، تسمح لنا تباعا بخلق فضاء تربوي يحترم الخصوصيات المحلية والدعوة إلى إعادة بناء روابط جديدة بالمركز قوامها احترام الثوابت وتفجير الابتكار والحلول. إنّ هذا الطّرح الفكري لهذا البعد الهام في النظام التربوي من شانه ان يبني طموحا جديدا وآمالا عريضة لتجاوز الصعوبات، كما يسهم ايضا في بناء علاقة جديدة نوعية بين بيداوجيا القرب والتنمية التربويةالمحلية، ولا نخال ذلك مجرّد تطوير بسيط، وإنّما نشتغل عليه فكريا الآن بوعي دقيق بقيمته…
بيداغوجيا القرب هي شكل من أشكال اللامركزية، وسمة من سمات الحوكمة التربوية الديمقراطية التي يتمّ من خلالها التخفيف من أعباء وثقل مركزية القرار البيداغوجي الذي لا يتلاءم وطبيعة الخصوصيات المحلية، ومنح الجهات بما يتوفر لديها من امكانات وبصفة تدريجية من مسك الشأن التربوي المحلي واكتساب القدرة على مساءلته بهدف تطوير الصلات معه والاستجابة لمتطلّباته النوعية، وبالتالي التّحوّل من الوضع المنفذ للتعليمات والتوصيات الى وضع المنتج للحلول والمبتكر لها وبناء مفهوم الجهة التي تفكر وتتحمل مسؤولية تحديد مصيرها في تناغم كامل مع الخيارات الوطنية..
بيداغوجيا القرب هي إحدى الآليات المساهمة في وضع أسس المراجعة والتفكير لدى الفاعلين التربوين في الجهة، وذلك بهدف تفجير الإرادة البيداغوجية المحلية وتطوير القدرة على أخذ القرار النابع من الواقع بما يجعل الشأن البيداغوجي قريبا من مشاغل المحليات، بل منطلقها وهدفها في اطار متكامل مع التمشيات المنهجية الضامنة للبحث الدائم عن النجاح وتركيز اواصره في مختلف المكونات..
لا تمثل بيداغوجيا القرب بالنسبة إلى السلطة المركزية التربوية مجرد تشتيت المشاغل وتفكيكها وتوزيعها بين الجهات، بل تعني اساسا دعم القدرات المحلية وبناء حوكمة جديدة للشأن التربوي تقوم على المبادرات المحلية وتعني ربط الصلة بين الفاعل التربوي وسياقه الاجتماعي المهني الحقيقي، وتمثل هذه الجدلية القائمة بين الفاعل وسياقه التربوي الاجتماعي الشرط الضروري في تطوير كفاية التفاعل الايجابي مع الواقع، ذلك ان الحلول وأنماط التفكير المرافقة لها تكون سندا فكريا مهما في تطوير هذه الصلات وإعادة بنائها.
تمثل بيداغوجيا القرب حالة ذهنية قبل كل شيء، فهي ليست مجرد التقاء بين طرفي الوضعية البيداغوجية، بل هي عيش فعلي ذهني بالأساس مع الاخر، هي اعتراف ضمني بوجوده مختلفا عنا، هي قناعة راسخة بان التفاعل الحقيقي في سياق ثقافي اجتماعي تربوي وآحد هو الذي ينتج الحلول المخصوصة، هي معتقد ضمني يجعل من القرب مع الاخر قاعدة العمل وشرط وقوعه بنجاح. هي ضمانة منهجية تفترض التفاعل الحقيقي في اطار سياق اجتماعي تربوي محدد، يتم التعامل معه وفق التمشي المنهجي المعتمد على التقصّي والتدقيق والمساءلة الثاقبة لجوهر الاشياء بما يتيح الحلول المتنوعة والهادفة. هي مقاربة تقوم على جملة من الأسس الاجتماعية والسيكولوجية التي يتطلبها العقل البيداوجي، فالتأمّل البيداغوجي المنجز بمنهجية والموجّه إلى الظواهر الاجتماعية كما ببّن ذلك عالم الاجتماع الفرنسي “دوركايم ” ، هو الذي يحوّل هذه الظواهر المدروسة إلى وقائع موضوعية تبنى بالعقل البيداغوجي لتكون موضوع تامل ودرس فحلول…
ولعل ما يضفي على بيداغوجيا القرب من معاني عالية ومن تثمين اجتماعي موصوف بالنجاح والابداع والابتكار في المجال التربوي عامة، هو التدخل الانساني لفهم الوقائع والسيطرة عليها. وهي بذلك تقوم في جوهرها على واقعية شفافة تمضي مباشرة الى الخفايا المضمّنة للظواهر التربوية والمنظمة لها، وهو ما يسمح بالكشف عن المنطق الداخلي للظاهرة المدورسة والبحث عن سبل تطويرها وفق اجراءات مستمدة من طبيعة العلاقات المرصودة…فظاهرة الانقطاع عن الدراسة على سبيل الذكر لا الحصر تبدو في شكلها العام ظاهرة وطنية، نراها تتحول بمقتضى هذه المعالجة المنهجية الى وقائع ئوعية موضوعية قابلة للدرس في كل جهة على حده لتحديد الأسباب المباشرة بعيدا عن تعميم لا منهجي، وسيرا الى التخصيص الذي يسهل الحلول..
هذا ولنا أن نؤّكد كذلك اليوم من خلال الادبيات التربوية المنشورة في الغرض ان بيداغوجيا القرب تتسم بكثير من الموضوعية وتتوفر على كثير من ضمانات النجاح، وذلك بفضل تعاملها مع الشأن التربوي بعقلانية محلية تمكن من تسليط القوة الذهنية على الظاهر والخفي في الشان المحلي التربوي..وهو في تقديرنا ما يمكّن الباحثين التربويين من إيجاد رواط ذهنية وجسور عقلانية تزيد في فهم الوقائع على نحو البحث عن حلول مخصوصة.. وهي حلول مبتكرة تتسم بدرجة عالية من الابداع والطرافة…
واعتمادا على كل ما سبق، يمثل المشروع الجهوي احد أهم التمظهرات الممكنة الموصوفة بالجودة العالية… هذا المشروع الذي يتطلب على مستوى الوعي الفردي كما على مستوى الوعي الجمعي اليقظة الفكرية الضرورية لرهانات المرحلة ومتطلباتها الاستشرافية..كما يتطلب المشروع الاستعداد الجيد للفعل وتوظيف جميع الامكانيات المتاحة لبناء حلول جديدة طريفة وغير معهودة ينعقد حولها التنظيم المشروعي ليطرح تمشيات منهجية ومسالك الحلول وبلوغ التطوير التربوي المطلوب . ان المشروع البيداغوجي بهذا المعنى هو تجديد على مستوى تصور التعامل المنهجي مع القضايا التربوية، هو الابداع الانساني في مجال إحداث الرغبة وتعزيز الإرادة المجتمعية في كيفية التعاطي مع القضايا الجوهرية للمجتمع، هو التمثًل الاسمى الانساني لعرض جملة قضياه المصيرية ، هو الطرح الفلسفي بما يحمله المفهوم من معاني توظيف العقل والتعامل المنهجي، وهو في الآن ذاته الطرح الاجرائي بما يفترض من واقعية ومن أداء قابل للملاحظة والقيس. وبذلك يمكننا القول بأن حوكمة النظام التربوي إنما تعني أساسا القدرة على قيادة المشاريع البيداغوحية..
د. كمال الحجام
الأحد 4 أفريل 2021

Peut être une image de Kamel Ben Salem Elhajjam et position debout

Amri Md Hedi, Ghazi Boulila et 128 autres personnes
42 commentaires
1 partage

التعليقات مغلقة.