صابر ضد التيار

بقلم/ أحمد عيسى

بعد أن يئس “صابر” من تعاون جاره، بالتناوب بينهما، في قَمِّ سُلَّم الدور الذي يسكنان به؛ قرر أن يتعاهد نظافة السُّلَّم بمفرده؛ وطَفِقَ حين يصادف علبة “كنز” فارغة، أو كيس مقرمشات، أو غلاف بسكويت ملقى على السُّلَم أن يلتقط ذلك كله ليودعه سَلَّة المهملات بشقته رَيْثَمَا يتخلص منها فيما بعد.

وبعد أن لاحظ “صابر” تكرار اتِّساخ السُّلم بوجود بقايا نُفايات ساقطة من قُفَّة الزَّبَّال، بوعي منه أو من دون وعي، وجَّه “صابر” الزَّبَّال ونصح له، ثم ما لَبِثَ أن استغنى عن خدمته لعدم استجابته؛ لكنَّ جيران العمارة ظلوا يتعاملون مع الزَّبَّال.

مكث “صابر” سنواتٍ طويلة يحاول أن يعيش في بيئة نظيفة، ويبث ذلك تعليماً وسلوكاً وعملاً في أسرته وفيمن حوله، واحتمل في سبيل ذلك رمي الكِبار على دَرَجَات السُّلَّم بأعقاب اللفائف، وعُلَب السجائر الفارغات، وإلقاء الشُّبَّان بفوارغ المشروبات، والأطفال لأكياس الحلوى والمُسليات.

وكثيراً ما كان يجد “صابر” أكياس قُمَامة في مدخل العمارة على فترات متباعدة، فكان يُهرع لاحتمالها وإيداعها صندوق القُمَامَة، بيد أنه جُنَّ جُنونه حين راعه وجود كيسَ زُبَالَة كان معلقاً بأُكرة (مِقْبَض) باب العمارة!!

وفي يوم شاتٍ دَاهَمَ “صابر” صداعٌ مُباغتٌ أثناء وجوده في عمله، فاستأذن على إثره من رئيسه في العمل، ليعود مبكراً إلى بيته، فإذا بأحد أبنائه يقابله على السُّلَّم يتلمظ بطعام..

صابر: بُني، منذ متى يكون الأكل أثناء السير؟

ولده: آسف يا أبي، إنها فقط ثمرة يُوسُفيّ واحدة.

انطلق الابن إلى حاجته، وصعد الأب إلى شقته، إلا أنه هَالَهُ آثار قشر اليُوسُفيّ على دَرَج السُّلَّم!!

دخل “صابر” شقته غَضْبَانَ أَسِفَاً، فدَلَف إلى حجرته وأغلقها عليه، ثم أدار المذياع يضبط مؤشره خفيضاً على إذاعة القرآن الكريم، يسكن بها نفسه، ويهدئ بها رَوْعَه، ويروِّح بها فؤاده ورُوحه؛ لكنَّه سُرعان ما استوقفته للحظات رائعة مدحت صالح:

رافضك يا زماني

يا أواني

يا مكاني

أنا عايز أعيش في كوكب تاني

بعدها أدار “صابر” مؤشر “الراديو” مستمعاً إلى طائفة من أحاديث النبي، صلى الله عليه وسلم، التي جاء فيها:

عن ابن عمر – رضي الله عنهما – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: – “المؤمِنُ الذي يُخالِطُ الناسِ ويَصبِرُ على أذاهُمْ أفضلُ من المؤمِنِ الَّذي لا يُخالِطُ النَّاسَ ولا يَصبرُ على أذاهُمْ”.

رواه الترمذي، وابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح الجامع.

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

التعليقات مغلقة.