نبذه عن رمضان والقيروان ” الجزء الثانى “

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثانى من رمضان والقيروان، ويعود تاريخ مدينة القيروان إلى عام خمسين من الهجرة، عندما قام بإنشائها عقبة بن نافع، وكان هدفه من هذا البناء أن يستقر به المسلمون، إذ كان يخشى إن رجع المسلمون عن أهل إفريقية أن يعودوا إلى دينهم، ويعتبر القيروان من أقدم وأهم المدن الإسلامية، بل هى المدينة الإسلامية الأولى في منطقة المغرب ويعتبر إنشاء مدينة القيروان بداية تاريخ الحضارة العربية الإسلامية فى المغرب العربى، فلقد كانت مدينة القيروان تلعب دورين هامين فى آن واحد، هما الجهاد والدعوة، فبينما كانت الجيوش تخرج منها للغزو والتوسعات، كان الفقهاء يخرجون منها لينتشروا بين البلاد يعلمون العربية وينشرون الإسلام فهى بذلك تحمل في كل شبر من أرضها عطر مجد شامخ وإرثا عريقا يؤكده تاريخها الزاهر ومعالمها الباقية التي تمثل مراحل هامة من التاريخ العربى الإسلامى ولقد بقيت القيروان حوالى أربعة قرون عاصمة الإسلام الأولى لإفريقية والأندلس ومركزا حربيا للجيوش الإسلامية.

ونقطة ارتكاز رئيسية لإشاعة اللغة العربية، وعندما تذكر القيروان يذكر القائد العربى الكبير عقبة بن نافع وقولته المشهورة عندما بلغ فى توسعاته المحيط الأطلسى وهو يرفع يده إلى السماء ويصرخ بأعلى صوته “اللهم اشهد أنى بلغت المجهود ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بك حتى لا يعبد أحد من دونك” وكلمة القيروان كلمة فارسية دخلت إلى العربية، وتعنى مكان السلاح ومحط الجيش أو استراحة القافلة وموضع اجتماع الناس في الحرب، وقد اجتمع عقبة بن نافع بعد انتهائه من بناء مدينة القيروان بوجود أصحابه وأهل العسكر فدار بهم حول مدينة القيروان، وأقبل يدعو لها ويقول في دعائه” اللهم املأها علما وفقها، وأعمرها بالمطيعين والعابدين، واجعلها عزا لدينك وذلا لمن كفر بك، وأعز بها الإسلام” فلما أرسى عقبة بن نافع قواعد مدينته الجديدة، لم يكن يدرى وهو يدعو ربه ليمنعها من جبابرة الأرض ويملأها فقها وعلما ويجعلها عزا للإسلام أى مصير تخبئه لها الأيام، إلا أنه استراتيجيا كان موفقا في اختياره.

فالقيروان توجد على مسيرة يوم من البحر الذى كان البيزنطيون يسيطرون على عبابه، وهى تبعد بمثل ذلك عن الجبال، حيث كانت آنذاك تعتصم القبائل البربرية المناوئة للإسلام، وتمثل القاعدة المحدثة رأس الحربة وسط خط المواجهة المتخذ بين المسلمين والبيزنطيين، بعد انهزام ملكهم جرجير فى سبيطلة أمام جيوش معاوية بن حديج سنة خمسه وأربعين من الهجرة وتراجع سلطانهم وانحصاره فى شمال البلاد، بجانب ذلك فالقيروان في منبسط من الأرض مديد يسمح باستنفار الفرسان في غير صعوبة، وقد كانت الخيل قوام جيش المسلمين في معظم معاركهم وحروبهم المصيرية، وقد راعى عقبة فى اختياره لموقع مدينته الجديدة تقريبها من السبخة حتى يوفر ما تحتاجه الإبل من المراعى، وتسمية القيروان تستجيب للغرض الأصلي من تأسيسها فهى كلمة معربة عن اللغة الفارسية وتعنى المعسكر أو القافلة أو محط أثقال الجيش، ولا ريب أن مختلف الحملات والغزوات التى سبقت بناء القيروان كانت تمر بالموقع.

وتتفق المصادر على أن معاوية بن حديج قد عسكر خلال إحدى حملاته الثلاث على إفريقية بالموضع المعروف بالقرن على بعد عشرة كيلومترات شمال غربى القيروان، كما تذكر كتب الطبقات أن الصحابي أبا زمعة البلوى قد استشهد خلال غزوة معاوية بن حديج الأولى العام أربعة وثلاثين من الهجرة وهو محاصر لجلولة، فأخذ ودُفن بموضع القيروان وكانت القيروان أولى المراكز العلمية في المغرب العربى تليها قرطبة فى الأندلس ثم فاس فى المغرب الأقصى ولقد قصدها أبناء المغرب وغيرها من البلاد المجاورة، وكان مسجد عقبة الجامع ومعه بقية مساجد القيروان تعقد فيه حلقات للتدريس وأنشئت مدارس جامعة أطلقوا عليها دور الحكمة، واستقدم لها العلماء والفقهاء ورجال الدعوة من الشرق فكانت هذه المدارس وما اقترن به إنشاؤها من انصراف القائمين عليها للدرس والبحث عاملا فى رفع شأن لغة القرآن لغة العرب وثقافتهم، ولقد كان للقيروان دور كبير فى نشر وتعليم الدين وعلومه بحكم ما علق على هذه المدينة.

من آمال في هداية الناس وجلبهم إلى إفريقية وهي نقطة هامة لاحظها الفاتحون منذ أن استقر رأيهم على إنشاء مدينة القيروان، فعندما عزم عقبة بن نافع ومن معه على وضع محراب المسجد الجامع فكروا كثيرا في متجه القبلة، وراقبوا طلوع الشمس وغروبها عدة أيام، وقال له أصحابه إن أهل المغرب يضعون قبلتهم على قبلة هذا المسجد فأجهد نفسك في تقويمه، واجتهد عقبة بن نافع وكان موفقا في اجتهاده وأصبح محراب القيروان أسوة وقدوة لبقية مساجد المغرب الإسلامي بمعناه الواسع حتى إن محمد بن حارث الخشني بعد أن قدم من القيروان إلى سبتة وشاهد انحراف مسجدها عن قبلة الصلاة عدله وصوبه، وفى عهد الخليفة الأموى عمر بن عبد العزيز فى عام تسعه وتسعسن من الهجره قد أراد تثقيف أهل المغرب وتعليمهم أمر دينهم فجعل من مدينة القيروان مركزا للبعثة العلمية المكونة من عشرة أشخاص من التابعين فأرسلهم إلى إفريقية حيث انقطعوا إلى تعليم السكان أمور الدين، ومات غالب أفراد البعثة فى مدينة القيروان نفسها.

وهكذا أصبحت مدينة القيروان مركزا للعلم فى المغرب الإسلامى حتى كانت مفخرة المغرب ومنها خرجت علوم المذهب المالكى، وإلى أئمتها كل عالم ينتسب وكان قاضى القيروان يمثل أعلى منصب دينى فى عموم البلاد المغربية، وإليه المرجع في تسمية قضاة مختلف الجهات وقد أسهمت القيروان في عهد الأغالبة في نشر المذهب المالكي في أرجاء الدولة الأغلبية، ومنها انتشر في صقلية والأندلس، وقد تم ذلك على يد الإمام سحنون فى عام مائة وستون من الهجرة، وأقرانه وتلاميذه، فهؤلاء كانوا يلتزمون المذهب المالكى، إذ أنهم كانوا يذهبون لأداء فريضة الحج، ثم يلزمون الإمام مالك بن أنس في المدينة المنورة، فتأثروا بفقهه، وقد ولى سحنون قضاء القيروان عام مائتان واربعة وثلاثين من الهجريه فكان صاحب النفوذ الأكبر لا في شئون القضاء فحسب، بل فى جميع شئون الدولة ولما عاد سحنون من المدينة المنورة كان قد وضع أسس الكتاب الذي دونه ويسمى المدونة التى أصبحت قاعدة التدريس في المغرب الأدنى.

ومن هناك انتقلت إلى الأندلس وكانت الكتب الفقهية التي ألفها علماء القيروان ابتداء من كتاب المدونة لصاحبه الفقيه الكبير سحنون والذي أصبح مرجعا دينيا لرجال القيروان، إلى رسالة ابن أبي زيد ونوادره وزياداته إلى تهذيب أبي سعيد البراذعى، وكانت هذه الكتب وأمثالها عمدة الدارسين والشراح والمعلقين لا يعرفون غيرها إلى المائة السابعة من التاريخ الهجرى عندما ابتدأت كتب المشارقة تأتى إلى المغرب مثل مختصر ابن الحاجب ومختصر خليل فيما بعد، وقد أنشئت في القيروان المكتبات العامة والمكتبات الملحقة بالجوامع والمدارس والزوايا وكانت مفتوحة للدارسين وتضم نفائس أمهات الكتب، ومن أشهر مكتبات القيروان بيت الحكمة الذي أنشأه إبراهيم الثانى الأغلبى في رقادة بالقيروان محاكاة لبيت الحكمة التي أسسها هارون الرشيد في بغداد حيث كانت هذه البيت نواة لمدرسة الطب القيروانية التى أثرت فى الحركة العلمية فى المغرب لزمن طويل، وقد استقدم إبراهيم بن أحمد الأغلبى أعدادا كبيرة من العلماء.

التعليقات مغلقة.