الصرصور العاشق.. قصة قصيرة

بقلم/ أحمد عيسى

حين يكون الحب من طرف واحد، في غير تكافؤ، يصدق قولهم: ومن العشق ما قتل.. في بستان حديقة وارفة الظلال، باسقة النخيل والأشجار، شهية الحسن والجمال، مُزدانة بالورود والأزهار، وأثناء أُفول الأصيل، كان صُرْصُور الحقل يُغنّي طرباً لاستقبال المساء وحلول الليل والسكون، وذلك بعد احتضار جَلَبَة النهار، على حين كانت آخر الفراشات تُلملم رداء بديع جناحيها، قبل أن تستقلّ إحدى وُريْقات الشجر للمبيت والمأوى.
نظر الصُّرْصُور إلى الفَرَاشَة فهزَّه الوجْدُ، وداعبه العشق، فشرع يصفر ويعزف مولياً وجهه صوب الفَرَاشَة، رافعاً عقيرته كمغنٍ موهوب، أو عاشقٍ ثَمِل، أو مترنم مجذوب معمود أضناه الهوى وبقلبه عَصَفَ واستبد.
ومع الهزيع الأخير من الليل، تعالى صَرِيرُ الصُّرْصُور، فانتبهت له أهدابُ الفَرَاشَة الوسْنى، فتثاءبت وتثنت، وتمطت وتثاقلت، ثم حرَّكت وديع جناحيها، ودَفَسَتْ رأسها بينهما وعادت للاستكانة والنوم.
ومع الإشراقة الأولى للنهار، انتفضت الفَرَاشَةُ كتلميذة تخشى فوات طابور الصباح، غسلت وجهها بقطرة نَدى حديثة عهدٍ بالسماء، ثم أسلمتْ جناحيها للهواء، وطَفِقَتْ تطير مُختالة، وتتمايل مُعجَبة، تهبط تارة، وتصعد أخرى، فرمقها الصُّرْصُور بين حُلم الكَرَى ويقظة الوسنان وأجفانه تغالب الدَّعَةَ والنوم، لكن سرعان ما استسلمت عيناه لأسْر السِّنَة وسُلطان الغفوة، وداعية الرُّقَاد.
وفي نَوْمَةِ الصُّرْصُور، دار هذا الحوار بينه وبين الفَرَاشَة:
الصُّرْصُور: أنا مَن كان يعزف على قِيثَارة الحبِّ طَوَال الليل.
الفَرَاشَة: أقلقتني يا لك من مُزعج قبيح المرأى سيئ الصوت.
الصُّرْصُور: أردتُ إسعادك ببثي رسائل شوق بمحراب هواك، تماماً كما عبر الشريف الرضي قائلاً:
أَنتِ النَعيمُ لِقَلبي وَالعَذابُ لَهُ ** فَما أَمَرَّكِ في قَلبي وَأَحلاكِ
عِندي رَسائِلُ شَوقٍ لَستُ أَذكُرُها ** لَولا الرَقيبُ لَقَد بَلَّغتُها فاكِ
الفَرَاشَة: كم يُعِزُّ العِشْقُ ويرفع حشراتٍ ويُزري الفضولُ بآخرين وأُخْرَيات!
رغم صَدّ الفَرَاشَة مغازلة الصُّرْصُور، واستنكافها له، واختيالها وتأبيها عليه، فقد قرر أن يحدّث أباه في شأن الارتباط بها، والتقدُّم لخِطبتها، والزواج منها..
الصُّرْصُور: أبي الصَّرَار الكبير، فراشتي قد هَامَ بها خَاطري وترنَّمَ فَمِي.. أحبُّها من كلِّ رُوحي ودَمَي!
الصَّرَار: تاللهِ إنك لفي ضلالٍ مبين.. يا لك من أحمق شَقِيّ غَرِير!
الصُّرْصُور: حين يَمَسُّ الهوى قلوب العاشقين، لا يأبه لعصفه عقلٌ ولا تفكير.
الصَّرَار: بل لابد من إعمال عقل وعميق تفكير.. بعد طُول رَويّة وتمهّلٍ وتدبير.
الصُّرْصُور: ألسنا في عالم الحشرات كلُّنا يا أبتي سواء؟
الصَّرَار: لا، لا تستوي فراشاتٌ ناعماتٌ طَاهِرَات، وجنادبُ ليلِ وصراصيرُ بالوعات!
لا تستوي أهدابٌ وبديعُ أزياءٍ وعُطور، مع سَوَادٍ وشواربَ وقبيح قُرُون.
الصُّرْصُور: سأُسعدها بِوَلَهي لها وهي لا شك ستألفني ثم تتعشقني.
الصَّرَار: يُبْنَى الزواجُ على كفاءةٍ ومَعْدَلَة، قبل حُمّى الحُبّ، وعَدْوى العِشْق، وسَكْرَة الهُيَام والوَجْد.
الصُّرْصُور: وإذا أصررتُ يا أبتي على حُبِّ فراشتي؟
الصَّرَار: ألم تتعظ يا لُكَع من عشق الغرابِ لليمامة، وما باءَ به ومُني من سُخرية في حفل الخطوبة وندامة، هل نسيت ماذا كان يُنشد المُطرب في ذلك الحفل؟
“بطلوا ده واسمعوا ده
ياما لسه نشوف وياما
الغراب يا وقعة سودة
جوزوه أحلى يمامة
هي كانت فين عينيكِ يا يمامة
لما دوَّرتي بإيديك ع الندامة”!!
لم يكْتَرِثْ الصُّرْصُور بنصح أبيه الصَّرَار، وتوجه إلى الفَرَاشَة في باكورة النهار..
الصُّرْصُور: أميرتي مليكتي.. كم أسَرْتِني بلطفك وتيّمْتِني برقَّتك!
الفَرَاشَة: ألا تزال مأفوناً صَبَّا عاشقاً لبابِ حُبي له راغب طارق؟!
الصُّرْصُور: كأنما خُلِقَتْ عيني لتنعمَ برؤيتك ورَسْمِك.. وقلبي ليخفق دوماً بذِكْرِك وحبِّك.
الفَرَاشَة: وبهائي وضوئي.. وسوادُك وقبحُك؟!
الصُّرْصُور: ألا يكفيك مني عملٌ وأمل.. إخلاص دائمٌ لك وحَدَب؟!
الفَرَاشَة: وجَمالي وطُهري.. وحُسني ونقْشي؟!
الصُّرْصُور: جمالك أبداً لن يزول، وبحُسنك أنا مُتيَّمٌ مفتون.
الفَرَاشَة (مُطْرِقة في خُبث): قبلتُ التحدي إن أنتَ يا هذا ارتضيتَه؟
الصُّرْصُور: رضيتُ منك كلَّ شَرْطٍ وإن نأى، وكلَّ قَيْدٍ وإنْ عزَّ وعَزَب.
الفَرَاشَة: شرطي ومهري أن نطير معاً.. أسبقك فتلحقني.. كعُرس نَحْلٍ علا في السماء.
الصُّرْصُور: هذا هو مُنية القلب.. وذاك المُشْتَهى.
الفَرَاشَة: صَهٍ لا تعْجَل.. فلم أنتهِ بَعْدُ من الكَلِم.
الصُّرْصُور: تفضلي أميرةَ نهاري ومليكةَ مسائي وليلي.
الفَرَاشَة: سنطير في موكب العُرس معاً، وسأدنو بك إلى الأرض ليشهد حَفْلَنا البَشَرُ.
الصُّرْصُور: بل سيشهد زفافَنا كلُّ الدُّنا.. نجوم وأقمار.. وليل ونهار.. وبحار وأنهار.. والسموات العُلا .
طارتِ الفَرَاشَةُ وفي الهواء حَلَّقَتْ، ثم هَبَطَتْ إلى الأرض واقْتَرَبَتْ ودَنَتْ، ثم جنَّحَتْ أخرى مرتفعةً وعَلَتْ، فإذا بها ترقُبُ على مد البصر مرح أطفال وعجيبَ تسابقٍ منهم في لهوٍ ونَزَق.
انطلقت الفَرَاشَةُ يتبعها الصُّرْصُور شَطْرَ لعِب صِغار البشر، فإذا بالأطفال يطاردون في خِفَّة وطيْشٍ ما دنا من نِحْل وطير، وجراد وحشراتٍ..
الفَرَاشَة: هيَّا تعالَ يا صُرْصُوري اتبعني لا توْجَل ولا تخَف.
الصُّرْصُور: كيف أهابُ عروستي؟ سأُقْبُل لا ريْبَ ولا رَهَب.
الفَرَاشَة: اقترِبْ إذاً من أطفالٍ هم كنجوم السماء والدُّرَر.
الصُّرْصُور: حسناً سأُرُيك جَسَارتي.. فمَعْدِني من فُولاذٍ وذَهَب.
لامَسَتْ الفَرَاشَةُ الأرضَ، ثم لاذتْ بالفرار والهَرَب، على حين أَصَابَ طفلٌ الصُّرْصُور بِنَعْلِه، ونادَى أصحابَه أنْ هَلُمَّ جميعاً لِقَتْلٍ وتَنْكِيلٍ وعَبَث!

التعليقات مغلقة.