نبذه عن معاذ بن جبل ” الجزء الأول “

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

إن من أعظم أسباب الهداية هو المحافظة على الصلوات فى أوقاتها في الجماعة، فمن حافظ على الصلوات في المسجد في الجماعة هدى الله قلبه وثبته وأوصله إلى حيث يريد من مرضاته فروى مسلم من قول ابن مسعود رضي الله عنه “من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف، فمن حافظ على الصلوات رزقه الله الهداية، وأن تصحب رجلا يذكرك بالله إذا نسيت ويعينك على ذكر الله إذا ذكرته، ولهذا أوصى النبى صلى الله عليه وسلم فقال “لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقى” فالصحبة الصالحة من أعظم أسباب الهداية، وإن من أعظم أسباب الهداية كذلك، المجاهدة، ومجاهدة النفس لتتعلم عن الله ورسوله.

ومجاهدتها لتعمل بهذا العلم، ومجاهدتها على الدعوة إليه بالحق، ومجاهدتها على الصبر والأذى في سبيل الدعوة إليه، لأن من تعلم وعمل وعلم لابد أن يتعرض للأذى، ومن علامات الهداية التي يستدل بها العبد على سلوكه طريق الهداية بالفعل ما دلنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى صحيح مسلم من حديث أبي ذر أنه قال يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل من الخير فيلقى الله له الثناء الحسن؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم “تلك عاجل بشرى المؤمن” فحب الناس للعبد وثناؤهم عليه وإجماعهم على القرب منه والمودة له وخلعهم بالإجماع عليه من علامات هداية العبد، والمقصود والمعنى في هذا الحديث هم المؤمنون الذين هم ألسنة الحق في الأرض، كما في الحديث الذى أخرجه البخاري من حديث السيدة عائشة رضى الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال “الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف” وقال الإمام الخطابى “أرواح المؤمنين تحن إلى المؤمنين وأرواح المنافقين تحن إلى المنافقين”

وهذه الأسباب والعلامات تعمل عملها وتؤتى ثمارها الطيبة إذا حافظ المرء على العمل بها واجتناب أضدادها وهي عقبات الهداية، وسوف يدور الحديث عن فتى من الأنصار، وهو أحد أصغر الصحابة الذين التفوا حول النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم حينما هاجر من مكة إلى المدينة المنورة، وكان ذلك الفتى الصغير قد أسلم قبل الهجرة النبوية، حيث كان واحدا من وفد السبعين أنصاريا الذين بايعوا النبى صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة الثانية، وكان عمره وقتها لا يتجاوز الخامسة عشرة، ومنذ أن وضع ذلك الفتى الأنصارى يده في يد النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ليبايعه على الإيمان والنصر والتأييد، عزم على أن يضحى بكل غالى ونفيس فى سبيل الدفاع عن رسالة الإسلام ونشرها بين الناس، والذود عن النبى صلى الله عليه وسلم، حتى لو كلفه هذا الأمر حياته وروحه، وبعد أن بايع النبى في بيعة العقبة الثانية، عاد هذا الفتى إلى المدينة، وقد لزم الصحابى الجليل مصعب بن عمير الذى أرسله النبى إلى المدينة.

ليدعو أهلها إلى الإسلام، وأخذ هذا الفتى ينهل من علم مصعب، ويسمع منه القرآن، ويتعلم منه مبادئ الإسلام وقيمه وتعاليمه، وكان لهذا الأمر أثر كبير على ذلك الفتى، والذى عزم على أن يكون له دور فى الدعوة إلى الإسلام، حيث كون فريقا من فتيان المدينة للدعوة إلى دين الله، وعندما سمع ذلك الفتى بعزم النبى صلى الله عليه وسلم على الهجرة من مكة إلى المدينة، شعر بسعادة وفرحة غامرة، وظل ينتظر وصول النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أياما، حتى جاء اليوم الموعود، ووصل النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولزمه ذلك الفتى وزاد حبه له صلى الله عليه وسلم، وقد بادله النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم هذا الحب، حتى أقر بحبه فقال ذلك الفتى أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بيدي، فقال لى ” يا معاذ، والله إني لأحبك” فقلت بأبى أنت وأمي، والله إنى لأحبك، قال ” يا معاذ، إني أوصيك، لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة “اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك”

إنه معاذ بن جبل الصحابي والفقيه والقارئ للقرآن وراوى للحديث النبوى وهو من الأنصار من بني أدّى من بني جشم بن الخزرج، وقد أسلم وهو ابن الثمانى عشر سنة، وشهد بيعة العقبة الثانية، ثم شهد مع النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها، واستبقاه فى مكة بعد فتحها ليُعلم الناس القرآن ويفقههم، ثم بعثه عاملا له فى اليمن بعد غزوة تبوك، وظل معاذ بن جبل ملازما للنبى الكريم صلى الله عليه وسلم سنوات، ينهل منه علما وخلقا، فأخذ عنه القرآن، وتلقى شرائع الإسلام حتى صار أقرأ الصحابة لكتاب الله وأعلمهم بشرعه، وبرغم صغر سنه إلا أنه كان أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أثنى النبى صلى الله عليه وسلم على حرص معاذ بن جبل على طلب العلم والتفقه فى دين الله، فقال صلى الله عليه وسلم “أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل” وعن عبد الله بن عمرو قال سمعت النبي يقول ” استقرئوا القرآن من أربعة من ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبى بن كعب، ومعاذ بن جبل”

وحينما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، ولى عليها عتاب بن أسيد، وترك معه الفتى معاذ بن جبل ليفقه أهلها ويعلمهم أمور دينهم، وبعدها أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ليعلم أهلها القرآن وتعاليم الإسلام، وقد خرج النبى صلى الله عليه وسلم ليودعه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسير على قدميه ومعاذ راكب على راحلته، وأخذ يحدثه ويوصيه، حتى قال له “يا معاذ، إنك عسى ألا تلقانى بعد عامي هذا، ولعلك تمر بمسجدي وقبرى” فبكى معاذ كثيرا، فعاد معاذ إلى المدينة وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد انتقل إلى جوار ربه، وفى خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بعثه الفاروق عمر سفيرا للإسلام إلى بلاد الشام، وهناك التف حوله أهل الشام، وحظى باحترامهم وتقديرهم، وعن طارق بن عبد الرحمن قال وقع الطاعون بالشام فاستغرقها فقال الناس ما هذا إلا الطوفان إلا أنه ليس بماء، فبلغ معاذ بن جبل فقام خطيبا فقال إنه قد بلغني ما تقولون وإنما هذه رحمة ربكم ودعوة نبيكم، وكموت الصالحين قبلكم.

ولكن خافوا ما هو أشد من ذلك أن يغدو الرجل منكم من منزله لا يدرى أمؤمن هو أو منافق، وخافوا إمارة الصبيان، وعن عبد الله بن رافع قال لما أصيب أبو عبيدة بن الجراح فى طاعون عمواس استخلف على الناس معاذ بن جبل واشتد الوجع فقال الناس لمعاذ بن جبل ادع الله أن يرفع عنا هذا الرجز فقال إنه ليس برجز ولكنه دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم وشهادة يختص الله بها من يشاء من عباده منكم، أيها الناس أربع خلال من استطاع منكم أن لا يدركه شيء منها فلا يدركه شيء منها، قالوا وما هن قال يأتي زمان يظهر فيه الباطل ويصبح الرجل على دين ويمسي على آخر، ويقول الرجل والله لا أدري علام أنا؟ لا يعيش على بصيرة ولا يموت على بصيرة، ويعطى الرجل من المال مال الله على أن يتكلم بكلام الزور الذي يسخط الله، اللهم آت آل معاذ نصيبهم الأوفى من هذه الرحمة، فطعن ابناه فقال كيف تجدانكما؟ قالا يا أبانا “الحق من ربك فلا تكونن من الممترين” قال وأنا ستجداني إن شاء الله من الصابرين.

التعليقات مغلقة.