كيف كانت نهاية دراكولا مصاص الدماء الذى كان يتفنن في تعذيب البشر؟

كيف كانت نهاية دراكولا مصاص الدماء الذى كان يتفنن في تعذيب البشر؟

كتب: اسلمان فولى
تحمل كتب التاريخ العديد من الأحداث المفزعة والدموية التي بطش فيها الناس بالناس.. لكن قصة واحدة، تعالت في دمويتها إلي الحد الذي صارت معها في أذهان الناس “أسطورة”.
فكثير من الناس يتعاملون مع “دراكولا” أو مصاص الدماء علي أنه شخصية أسطورية.. تلك التي تمص دماء ضحاياها في الليل، عرفها معظمهم عن طريق الأفلام، وعرفها محبين القراءة منهم عن طريق رواية “دراكولا” للأديب الاسكتلندي “برام ستوكر”، لكنهم لا يعرفون أن هناك “دراكولا” حقيقي عاش في القرن الخامس عشر .. وكان ملكاً لرومانيا، وقصة تفننه في القتل ليس لها مثيل.
بطل عند قومه:
ولأن المعرفة حق، فمن حق القارئ الكريم أن يعرف إنه وإن كانت النظرة الإنسانية العامة لدراكولا ستحملنا بلا ريب إلي النظر إليه باعتباره سفاحاً قاتل لا مراء في ذلك.
فإنه لدي الشعبين الروماني الذي كان ملكاً عليه ذات يوم، ومعه الشعب البلغاري الذي حارب تحت قيادته، يعتبر بطلا قوميا، ذلك ببساطة لأن دراكولا تصدى لهجوم السلطنة العثمانية علي شرق أوروبا وأوقف الزحف العثماني نحو قلب القارة العجوز والتي أصبحت مفتوحة أمامهم بعد أن دخلوا القسطنطينية العاصمة التاريخية للدولة البيزنطية التي سقطت من التاريخ دون عودة.
“ڤويڤود” هو أسمه وأصبح رسمياً ينادي “فلاد الثالث” عندما وصل للعرش، وهو من أسرة ملكية عريقة في حكم رومانيا زمنا طويلاً تسمي (دراكوليشتي) .
إسمه الحقيقي فلاد الثالث، حكم رومانيا لفترات متقطعة امتدت إجمالاً لـ7 سنوات بين 1455 و1478، ولُقب بـ«دراكولا»، لانضمامه لما يُسمى بـ«عصبة التنين»، التي كانت اتحادًا سريًا ضم مجموعة من أمراء ونبلاء أوروبا الوسطى والشرقية للوقوف ضد المد العثماني.
لذا فهو أمير منذ ولادته عام 1431، وأظهر الأمير الصغير دموية مفرطة منذ سنوات صباه، فبينما كان يلهو الأطفال ويلعبون، كان فلاد يجمع الحيوانات والطيور ويقيم لها حفلات تعذيب قبل قتلها، كان الأمير الصغير يتدرب أولا عليهم فيما يبدو، استعداداً ليجرب هذا في البشر فيما بعد.
ثلاث مرات:
فلاد وصل لعرش مقاطعة والأشياء الرومانية ثلاث مرات، وهي الولاية التي كان يسميها أعداءه من العثمانيين “الأفلاق” ، حينما كان العثمانيين في أوج نشاطهم في محاولات السيطرة علي البلقان في جنوب شرقي أوروبا.
لوحة لمعركة بين العثمانيين والمجريين.
ويمكن أن نجمع شخصية دراكولا أو فلاد الثالث أو المُخوْزِق أو إبن الشيطان، أيا ما شئتم تسميته علي شكل قطع، فإذا ما كنا قد وضعنا القطعة الأولي بأنه ومنذ طفولته كان محبا بل عاشقاً للدماء وللتعذيب، فإن فلاد نشأ حتى السادسة من عمره في كنف أبيه “فلاد الثاني” الكاره للمسلمين عموماً وللعثمانيين خصوصا، وقد كان والده عضوا بارزا في تنظيم يسمي “التنين”، وهو تنظيم “سري” أسسه الإمبراطور الروماني المقدس “زيغموند” بالتعاون مع باقي ملوك وأمراء أوروبا ومنهم فلاد الثاني والد دراكولا، بهدف حماية أوروبا الشرقية من المد العثماني.
وقد تسمي هذا التنظيم بهذا الإسم لأن أعضاءه كانوا يقدسون “التنين”… وعلي الرغم من أن سن ست سنوات لا يسمح بتكوين الشخصية، فإنه كافي ليعلم الشخص من هو أبوه طالما شاهده. وسيكون لذلك تأثيراً كبيراً علي شخصية الطفل، خصوصا عندما نكمل قصته.
ففلاد الثاني، أبوه، خسر معركته أمام العثمانيين، خسارة فادحة بشكل حقيقي كلفته أن أبنيه فلاد الثالث وأخيه الأصغر “رادو” تم أسرهم علي يد العثمانيين.. وحمل الشقيقين كرهائن عند السلطان “مراد الثاني”… وهناك رواية أخرى تقول أنه هو نفسه من أرسلهم للعثمانيين كنوع من تقديم فروض الولاء والطاعة.
وحتى بلغ السابعة عشر من عمره، بقي فلاد الثالث لدي العثمانيين، يعيش بينهم، يأكل ويشرب ويتعلم .. ولكن فعلي ما يبدو كانت تلك السنوات الأحد عشر هي سنوات حقد وضغينة مدفونة علي هؤلاء الناس الذين يعتبرون تهديدا لعروش أبائه وأجداده، فظل بينهم يحلم بيوم حريته وعودته لبلاده للانتقام منهم ومنعهم من التقدم في قلب أوروبا.
وبالفعل وبعد أن أخبره بأن والده إغتيل علي يد ملك أوروبي آخر هو ” فلاديسلاف الثالث” ملك المجر وهو ما حدث فعليا، فقد أطلق الأتراك سراحه في تلك السن، وهو القرار الذي سيندمون عليه كثيرا .. وطويلا.
سنوات فلاد الثالث عند العثمانيين شهدت تعلمه الفروسية والقتال، كما تعلم اللغة التركية. ما جعله يعرف تكتيكاتهم العسكرية وخططهم الحربية، والأهم من كل ذلك شخصيات وطريقة تفكير الأمراء العثمانيين الذين تربوا معه، والذين سيصبحون قادة الدولة فيما بعد في نفس سنوات حكمه هو كذلك.
ربما فكر الأتراك في أن إطلاق سراح الفتي سيجعله يعود لرومانيا ليشن حربا ضد قتلة أبيه، ورغم أنه بالفعل ظل طوال حكمه يحذر من المجريين ويعاديهم، إلا أن ذلك لم يمنعه في نفس الوقت أن يمارس نفس الشيء ضد العثمانيين.
الخوزقة:
عاد فلاد الثالث إلي والاشيا .. حولها الشاب إلي بلد منظم، أنعش اقتصادها وأمعن في تقويته، حطم نفوذ النبلاء فيها وجعل السلطة في يده باعتباره الحاكم وفقط، رغم أن النبلاء كانوا جزءًا أساسياً من نظام الحكم بل وتركيبة المجتمع نفسه في أوروبا كلها تقريباً طوال العصور الوسطي.
والأهم من كل ذلك أن فلاد الثالث شكل قوة عسكرية ضخمة، لقد عرف العثمانيين وعاش بينهم، وعرف إمكاناتهم العسكرية الكبرى، فما كان منه إلا أن شكل جيشاً جرارا نجح في معظم الأوقات أن يتصدى لهم، ويصبح فلاد الثالث أحد كبار المقاومين للعثمانيين الذين ربوه ثم أطلقوه ليكون لهم حجر عثرة.
الطابع الدموي لفلاد دراكولا ظهر مع كثرة استخدامه لممارسة “الخوزقة” للأسري والأعداء الذين يسقطون في قبضته، وبجوارهم حيث الصرخات والألم الرهيب كان دراكولا يقيم حفلات وكأنه في حضرة شيء يستحق الاحتفال به.
وكانت عقوبة الخازوق من العقوبات التي تستخدم للإعدام بالتعذيب البطيء، حيث يُدّق وتد خشبي مشحّم في دُبْر المُعاقب سيئ الحظ ليخرج من كتفه أحيانًا، ومن ثم يغرس الوتد بطريقة عمودية في الأرض، ويترك المخوزق لمصيره ليموت فورًا أو بعد عدة ساعات بحسب مهارة الجلّاد.
هذه الممارسات بالطبع لا تقدمها الرواية الرومانية التي تعتبره بطلا قوميا، لا يوجد شعبا يريد أن يجعل بطله القومي جزارا. ومن سيزور رومانيا يوماً ما سيجد تمثال عرش دراكولا إلي جانب العديد من الشخصيات الرومانية الشهيرة لا يزال موجوداً بمقرّ عمدة العاصمة الرومانية بوخارست. ومن المؤكّد أنه يُعدّ من الأبطال الكبار في البلاد، لأنه قاتل العثمانيين. والكتابات الرومانية لا تقدّمه في صورة وحش، بل كزعيم وكبطل قومي ناضل من أجل توحيد البلاد والذود عنها.
بشكل عام يرجح أن فلاد المخوزق قد بلغ عدد ضحاياه المائة ألف إنسان … منهم كما ذكرت المصادر أنه خوزق راهبًا مع حماره، كما خوزق 500 شخص من المنتسبين إلى الأسر العريقة.
ويقال إنه استمتع عندما خوزق 600 تاجر أجنبي، كما رمى 400 طالب في نار كبيرة أشعلها لهذا السبب، وأجبر الأطفال على أكل لحم أمهاتهم اللاتي قتلهن، وقطع ثدي بعض الأمهات، وخيط محلها رؤوس أولادهن، كما جمع كل متسولي البلد وقدم لهم الأكل، ثم قام بإحراقهم وسلخ جلود أرجل الأسرى الأتراك ثم مسحها بالملح، وجعل الأغنام تلحسها.
فمن يسرق يخوزقه.. ومن يكذب يخوزقه.. ومن يضرب أحدًا يخوزق الضارب والمضروب.. بل إنه وصل إلى مرحلة أبعد من هذا !!!
يشرب “دراكولا” من الكأس الحمراء التي أمامه والتي يتضح لك لما ترى انسياب السائل فيها أنه ليس خمرًا.. بل هو دم.. دم طازج.. دماء ضحاياه ممزوجة بالخمر.. شرابه المفضل.. الذي كان يحب أن يشربه على آهات المعذبين المسلوخين أمامه كالذبائح والتي تقع على أذنه موقع زقزقة البلابل.. ويحب الطريقة التي يسيل بها الشراب من شفتيه إلى ذقنه.. كان هذا هو “دراكولا” كان يضع قدورًا ويطهو الناس فيها أحياء.. بل ويأمر جلاوزته أن يقَطعوهم بالسيوف وهم داخل القدور أحياء يصرخون.
المرأة الكسولة كانت يدها تقطع وتثبَّت على خازوق مستقل لتكون عبرة لكل النساء؛ لأنه لا فائدة تُرجى منهم.. إنما هم يُرهقون الدولة.. ودعني أكتفي بهذا القدر من المصائب.. لأنني لو ذكرت كل ما علِمته لملأت مجلّدًا مستقلًا.. باختصار.. لم يشهد العالم شخصية مختلة مثل هذا من قبل ولا من بعد.
ولذلك أطلق المؤرخ “دورسون بك”، المعاصر للسلطان محمد الفاتح، اسم «حجاج الكفار». يقصد أنه المعادل للحجاج بن يوسف الثقفي القائد الأموي الشهير.
ومع تصاعد الصراع والنزاع العسكري بين العثمانيين من جانب، وبين ربيبهم الذي يكرههم من جانب آخر، وعدم احترامه حتى لحرمة الرسل، وقتله رسل العثمانيين إليه وتثبيت رؤوسهم بالمسامير في الخشب… لكن الأمر الذي لم يكن من الممكن السكوت عليه أن فلاد جمع الأسرى العثمانيين لديه وكان عددهم بحسب بعض الروايات يصل إلي 20 ألفا، وصنع لكل واحد منهم خازوق وقتلهم جميعا بهذه الطريقة، فلما وصل جيش العثمانيين وجدوا هذا المنظر أمامهم.. كان هدف دراكولا أن ينتصر بالإرهاب علي ما يبدو.
جيش السلطنة العثمانية:
كان لابد بالنسبة للعثمانيين أن يضعوا حدا لهذا الرجل، وبالفعل تمكنوا من ذلك في عهد السلطان العثماني “محمد الثاني” وهو نفسه من تربي مع فلاد الثالث في قصور السلطنة العثمانية.
لم يقتصر عقاب ” دراكولا ” على شعبه فقط ولكنه تعدى ذلك إلى أبعد الحدود ؛ حيث أنه لا يجد لنفسه عذرا في اشباع رغبته المجنونة حتى ولو كان عدد من يريد أن يمارس عليهم هذا العقاب 20 ألف رجل من أشد الرجال ! إنه أمر لا يصدق حقا ! ولكن دعني أروي لك هذه الواقعة التاريخية ؛ أمر السلطان محمد الفاتح أن تتحرك سرية قوامها عشرون ألف رجلٍ لتخترق جيوش العدو ” دراكولا ” . أي ما يساوي ثلاثة أضعاف جيش “دراكولا”.. وكان قائد الجيش فارسًا شجاعًا مسلم اسمه “حمزة”.. أفضل فرسان جيش السلطان في ذلك الوقت.
وكانت المفاجأة التي لم يتوقعها أحد.. لقد انهزم جيش السلطان هزيمة نكراء لم ينهزم مثلها من قبل..
لقد وضعهم الشيطان جميعًا على الخوازيق.. عشرة آلاف وتدًا عن اليمين !وعشرة آلاف عن الشمال!
وعندما أرسل السلطان محمد الفاتح جيشاً آخر قوامه ستون ألفاً على رأسه أخو ” دراكولا ” نفسه ، هرب ” دراكولا ” إلى هنغاريا ليطلب الدعم من ملكها؛
ولكن ملكها بدلًا أن يقدم له الدعم قام بأسره وسجنه في هنغاريا.
وظلَّ مسجونا سنينَ طويلة ..كان “دراكولا” مختلًّا عقليًّا.. فقد كان يفعل أشياء عجيبة جدًّا في سجنه في هنغاريا.. كان يصطاد الحشرات والقوارض ويخوزقها على أعواد صغيرة من أغصان الشجر.. ويتسلى برؤيتها تموت.. أي شيطان هذا.. بل أي مخبول..
بعد خروج ” دراكولا ” من السجن عاد إلى ولاكيا خاصة وأنه سمع بموت أخيه المسلم الذي كان قد أوكله السلطان محمد الفاتح بحكمها ..عاد ليحاول إعادة مملكته وقد انتهى به الأمر إلى موته على يد أحد الحشاشين الذين أباد هولاكو دولتهم ..قام بقتل ” دراكولا ” وقطع رأسه وقام بغمسها في العسل وأرسلها الى السلطان محمد الفاتح .
وقد قام السلطان محمد الفاتح بغرس رمح في وسط القسطنطينية في البلاط العثماني وعليها رأس دراكولا ليتفل عليها من يتفل ويرميها بحجارته من يرمي. رأس حَوَت عينين كانتا متجبرتين متغطرستين.. والآن أصبحتا مفقوئتين تنظران إلى الأرض في ذُل”.

هناك الكثير من الجدل، حول مكان قبره، فقد قيل إنه تم دفنه في دير في سناغوف في الطرف الشمالي لمدينة بوخارست، وفقاً لتقاليد زمانه، ولكن مؤخراً شكك المؤرخون فيما إذا كان قد دُفن في دير كومانا، بين بوخارست ودانوب، وهو مكان قريب من موقع المعركة المفترضة حيث قتل فلاد، وذلك وفقاً لكورتا. وعلى كل، هناك شيء واحد مؤكد، فعلى عكس شخصية دراكولا من كتاب ستوكر.

التعليقات مغلقة.