العجلاتي

بقلم/ أحمد عيسى
منذُ أربعينَ عاماً ونَيِّف، كان صِبْيةُ المناطق الشعبية
مُولَعِينَ بتأجير الدراجات كَلِفِينَ بقيادتها؛ فقليل من كان منهم يمتلك عَجَلَة؛ لذا كان أكثرهم يقصدون
عجلاتي المنطقة ليستأجروا منه الدراجات مختلفة الأحجام، متباينة الأشكال والهيئات والماركات.
كان هناك ثلاثة عجلاتية في منطقة “أبوقتادة” موزَّعينَ في جنباتها توزيعاً جغرافياً يبدو عادلاً،
فهذا “فؤاد” في القلب، وذلك “فوزي” بين العمق والطَّرَف، يقبعُ متوسطاً بين زميلي مهنته “فؤاد”
، و”أم أحمد” التي كانت على أرجائها.
كنتُ في منطقة هيمنة “فؤاد” العجلاتي، ذلكم الرجل الأربعيني، كان رَبْعَة (وسيط القامَة)، ناعمَ الشَّعْر خفيفه، عَرَكَ الأطفالَ وفَهِمهم، فعلى الرغم
من أنه كان طَيّبَ القلب، إلا أنه كان حاسماً مع الأطفال، حريصاً على العُبوس وإبداء شيءٍ من القسوة والعنف..
طفل: أريد رُبع ساعة بالعَجَلَة الِّليبي.
فؤاد: الآن وربع.. قَبْلَ ونصف تأتيني.
طفل: أمرك يا “عم فؤاد”.
فؤاد: هاتِ ساعتك رهناً حتى تعود.
كان الناظر إلى “فؤاد” يُخَيَّل إليه أنه فَظّ اللسان، قاسي القلب، غليظ الجَنَان، لكنه كان يتعامل مع
الأطفال من واقع خِبْرة وحِكْمة، فكان كثيراً ما يُقَدِّم ساعتَه خمس دقائق؛ لأنه يُدرك أن الأطفال
سيتأخرون عن مواعيدهم عَشْرةَ دقائق على الأقل..
طفل: أريدُ نصفَ ساعة بتلك العجلة الرالي.
فؤاد: الآن العاشرة.. تأتيني ونصف بالثواني.
طفل: سألعبُ هنا أمام ناظريك.
فؤاد: هيّا انْزَع الآن رَهْناً نعليك.
طفل: نعلي تساعدني على التبديل.
فؤاد: اخلع.. أو لا عَجَلَ ولا تَأجِير!
عَرَفَ الأطفال أمر رَهْن الساعات والأحذية، فكان بعضُهم يذهب إلى “فؤاد” مستأجراً حافي القدمين،
مجرداً من ساعته، هذا إن كان لديه ساعة.
وفي إجازة نصف العام..
طفل: أريد ربع ساعة بدراجة السباق الحمراء.
فؤاد: اخلع.. هي مُؤجرة ولا يوجد غير الزرقاء.
طفل: ليس معي ساعة.
فؤاد: اخلع إذن النَّعل.
طفل: ليس معي شيء.
فؤاد: إن تأخرتَ عن موعدك سأُجردُك من “البجامة”!
وحين يتأخر أحد الأطفال كثيراً عن موعده، كان
“فؤاد” يستعين بولدٍ له، فكان هذا الغُلام يركب دراجة يشق بها الأرض بحثاً عن العجلة والمستأجِر،
فإذا ما أحاط بهما، عنَّف الطفل وأركبه أمامه، ثم اقتاد الدراجتين معاً إلى أبيه “فؤاد”..
فؤاد: أين كنتَ يا روحَ أبيك.. وقلبَ أُمِّك؟
طفل: سامحني.. عذراً.. فضلك وعفوك!
فؤاد: تأخير وتعطيل أين كان سعادتك؟
طفل: ليس معي نقود سوى ما أعطيتك.
فؤاد: ستظل هُنا حتى يأتي ذووك وأهلك.
طفل: حَنَانَيْك! أنا تبتُ.. انتهيتُ وحَرَّمت.
فؤاد: وجهُك إلى الحائط.. وارفع ذراعيك.
وحين كان الطِّفلُ يبكي بعد دقائقَ معدودات من
العقاب، كان قلبُ “فؤاد” يرقُّ له، بعد أن يُوقن أن أحداً لن يأتي لخلاص الطفل، فإذا به يُوسع الطفل
سِبَاباً، ثم يمنُّ عليه بإطلاق سراحه دون فداء!
وذات مَرّةٍ لم يكتفِ صبيٌّ بتأخره عن موعده، بل
راح يسابق أقرانه، ثم سوَّلَتْ له نفسه أن يباري بعضَ السيارات، وكان الصبيُّ يلتفت يَمْنَةً ويَسْرَةً، ومن بين يديه ومِن خَلْفِه ليُحْكِمَ الاستباق.
وفي لحظةٍ غفل فيها الطِّفْل؛ حيث التفت فيها يميناً فأطال، فإذا به يصطدم بصندوق قُمامة
حديدي ضخم كان مستقراً على اليسار؛ فانقلب الطفل مُعافى وتحطمت الدراجة وانكسرت نصفين!
وفي محل “فؤاد” كان الطفل يبكي مُعاقَباً رافعاً
ذراعيه، وحين تأثَّر بعضُ المارّة ببكائه كان “فؤاد”
ينهاهم عن التدخل، ويُريهم شَقّي الدَّرَاجة المنشَطِرة نصفين، فيمضي المارّة لا يقدرون على
شيء مما أرادوا ورغبوا، لكنَّ امرأةً عابرةً هي التي استطاعت إنقاذ هذا الطفل وفكّ أَسْرِه..
المرأة: ما هذا يا رجل.. أين الشفقةُ.. أين الرحمة؟!
فؤاد: ارحميه أنتِ وادفعي له ثمن اللحام والإصلاح.
المرأة: لو كان معي لدفعتُ من فوري.
فؤاد: اذهبي إذن من أمامي وامضي.
انصرفت المرأةُ بِصُحبة الطفل بعد أن أسرَّتْ إلى
“فؤاد” بكلمةٍ واحدة، جعلتْه يُكفكفُ دموعَ الصبيِّ، ويمسحُ رأسَه، ويُطلق سَراحَه على الفور، لقد أخبرته المرأةُ بأن الطفل “يتيم”!!

التعليقات مغلقة.