رمضان والفرقان ” الجزء الثانى “

رمضان والفرقان ” الجزء الثانى “

إعداد / محمـــد الدكـــروى

ونكمل الجزء الثانى مع رمضان والفرقان، وقد توقفنا مع المهاجرين من المسلمين فى المدينة عندما أذن الله لهم في رد العدوان ودفع الأذى، فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث السرايا تغير على سرح قريش وأموالها التي هي عندها أعز من أرواحها، فكانت تعود من هذه الأموال بغنائم تغيظ المشركين وينفع الله بها المؤمنين، ويزدادون بها قوة وعزة، حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قريشا قد أعدت مالا كثيرا سيخرج به أبو سفيان بن حرب مع نفر تجار إلى الشام، فما كاد يستعد لها حتى فاته أبو سفيان ذاهبا إلى الشام، فتربص رسول الله صلى الله عليه وسلم عودة أبي سفيان وأخذ يتحسس أخباره، حتى جاءه الخبر بقفوله من الشام، فانتظر حتى كان بحيث يدركه ويناله أمر المسلمين من كان ظهره حاضرا أن يتعجل الخروج للقاء عير قريش، وأخذ أموالها التي كانت ألف جمل بأحمالها من حاصلات الشام، وليس معها إلا أبو سفيان في ثلاثين رجلا، ففصلوا من المدينة يوم السبت لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان.
على رأس تسعة عشر شهرا من الهجرة فى ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، منهم أربعة وسبعون من المهاجرين والباقى من الأنصار، معهم فرسان فقط أحدهما للمقداد بن الأسود والآخر لمرثد بن أبي مرثد، وقيل للزبير بن العوام، وسبعون بعيرا يعتقب كل ثلاثة بعيرا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واحد من ثلاثة على بعير كذلك، لم يرض إلا أن يكون واحدا منهم، وساروا يجدون السير حتى كانوا قريبا من الصفراء، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبس بن عمرو الجهني وعدي بن الرعباء يتجسسان أخبار أبي سفيان وعيره، وكان أبو سفيان هو كذلك يتجسس أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلم بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث ضمضم بن عمرو الغفارى ينذر قريشا، ويستحثها الخروج لاستخلاص أموالها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفعه، ثم اتخذ أبو سفيان طريقا آخر على ساحل البحر حتى نجا بالمال، فأما قريش فحين سمعت صراح ضمضم بن عمرو، خرجت مسرعة وأوعبت في الخروج.
فلم يتخلف من أشرافهم سوى أبى لهب استأجر رجلا بدين كان عليه، وحشدوا من حولهم من القبائل، وخرجوا كما قال الله تعالى ” بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله” وأقبلوا بحدهم وحديدهم يحادون الله ورسوله، وجاؤوا على حرد قارين، وعلى حمية وغضب وحنق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين كانوا بالأمس يذيقونهم ألوان العذاب والفتنة فى ضعف منهم وقلة، ثم بلغ بهم اليوم أن تجرؤوا على قريش ومالها يهضمون عزتها، ويرغمون أنفها، ويحقرون شأنها عند العرب، وهى التي تشمخ بأنفها في السماء، وقد نفخ الشيطان في خياشيمها وألهب قلوبها بسياط الحنق والغيظ والاستصغار لشأن أولئك الذين أخرجوا من ديارهم مشردين مطرودين، يفر زعيمهم وسيدهم تحت جنح الكلام وهل تصبر قريش على ذلك؟ وهل يكون لها وجود تحت الشمس إذا هى سكتت على أولئك المشردين يتخطفون أموالها ويعبثون بعزتها وشرفها، ويجعلونها مضغة فى أفواه العرب، وهي سيدة العرب؟ لن يكون هذا.
ولنضربن محمدا وأولئك الشذاذ من حوله ضربة تقصم ظهورهم، وتأتى على جميعهم، ولنجعلنهم نكالا لكل من تحدثه نفسه أن ينال من عزة قريش وسيادتها للعرب، ولتتحدثن العرب أنا فعلنا وفعلنا، وكان جميعهم ما بين التسعمائة إلى الألف في أتم عدة وأحد سلاح، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لما بلغه فوت العير مع أبي سفيان وخروج قريش فى تلك العدة والحدة، استشار أصحابه، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم، فتكلموا أيضا فأحسنوا، ثم استشارهم الثالثة، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ سيد الأوس فقال “يا رسول الله، كأنك تعرض بنا وكان إنما يعنيهم لأنهم إنما بايعوه ليلة العقبة أن يمنعوه في ديارهم لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقا عليها ألا تنصرك إلا فى ديارهم، وإنى أقول عن الأنصار وأجيب عنهم فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمر، فأمرنا تبع لأمرك.
فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك، ووالله لئن استعرضت بنا هذا البحر خضناه معك” وقال له المقداد بن الأسود “لا نقول كما قال قوم موسى لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك ومن خلفك” فأشرق وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسر بما سمع من أصحابه، وقال “سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، وإنى قد أريت مصارع القوم” فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ بدرا وهي بئر حفرها بدر بن الحارث، فأما قريش فقد كتب إليهم أبو سفيان أن ارجعوا فقد نجت عيركم وسلم مالكم الذين خرجتهم لمنعه، فأتاهم الخبر وهم بالجحفة بجوار رابغ، فقال أبو جهل والله لا نرجع حتى نقدم بدرا، فنقيم بها ونطعم من حضرنا من العرب، وتخافنا العرب بعد ذلك، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عشاء ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان، وسبق قريشا إلى أغزرها وأعذبها ماء، فنزل عليها وغور باقيها، وبات الفريقان فى مكانهما من بدر.
وباتت قريش على غير ماء، وأنزل الله تلك الليلة وابلا شديدا منع المشركين من التقدم، وكان على المسلمين طلا طهرهم الله وأذهب عنهم رجز الشيطان، ووطأ الأرض وصلب به الرمل، وثبت به الأقدام، ومهد به المنزل، وربط به على قلوبهم، وبنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش على تلك مرتفع يشرف منه على المعركة، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى فى مكان المعركة، وأخذ يشير بيده ويقول “هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان إن شاء الله” فما تعدى أحد منهم موضع إشارته، فلما تراءى الجمعان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “اللهم هذه قريش جاءت بخيلها وفخرها، جاءت تحاربك وتكذب رسولك” ثم رفع يديه إلى السماء يسأل ربه النصر ويقول “اللهم أنجز لي ما وعدتى، اللهم إنى أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض بعد” وأخذ يلح على ربه في ضراعة وخشوع بالغ وذلة، حتى سقط رداء، فالتزمه الصديق رضي الله عنه وقال “حسبك يا رسول الله مناشدة لربك.

أبشر فوالذى نفسى بيده، لينجزن الله لك ما وعدك” وأخذ المسلمون كذلك يستنصرون ربهم ويستغيثونه ويتضرعون إليه، وأخلصوا له وحده الدعاء والمسألة، متوسلين إليه بضراعهم وفقرهم، وذلتهم وإخباتهم، وإخلاصهم وخروجهم لنصر دينه لا يرجون غيره ولا يطلبون سوى مرضاته، ولا يخشون أحدا سواه، فاستجاب الله لهم وأوحى إلى ملائكته ” أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب” وأوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ” أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين، وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم” وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبلت قريش فى كتائبها، واصطف الفريقان، وحاول حكيم بن حزام وعتبة بن ربيعة صرف قريش عن القتال، فأبى أبو جهل أشد الإباء، وأغرى عمرو بن الحضرمى أن يكشف عن استه، ويصرخ طالبا ثأر أخيه، فحميت قريش لذلك أشد الحمية، وعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف.

التعليقات مغلقة.